تضخّم الآلام
كيف وسّع علم النفس مفاهيم الألم والاضطراب والإيذاء
وقفت اليوم على ورقة ممتازة لأستاذ علم النفس في جامعة ملبورن نيك هاسلام Nick Haslam، وهو باحث بارز ونشط نشر أكثر من 250–300 مادة علمية ما بين كتب وأبحاث وفصول من كتب أكاديمية.
وفي هذا المنشور سأحاول التعريف بأفكارها باختصار، وبتعريب فضفاض وبتصرف معتدل.
تتمحور الورقة التي نشرت عام 2016 حول ما يسميه (تمدد أو انجراف المفاهيم Concept Creep)، ويعني أن«بعض المفاهيم الأساسية في علم النفس قد شهدت تغيرًا منهجيًا، لاسيما المفاهيم السلبية في هذا المجال -أي تلك التي تشير إلى أشكال السلوك أو الخبرة غير المرغوب فيها أو الضارة أو المرضيّة- وقد تمثّل هذا التغير في تمدد أو انجراف دلالي منهجي، أفقيًا وعموديًا».
ويقصد بالأفقي: إضافة أنواع وأشكال جديدة لنفس المفهوم، وأما التمدد العمودي: إدخال حالات أخف أو أقل شدة ضمن المفهوم نفسه.
وقد لاحظ هاسلام أن «هذا النمط من الانجراف الدلالي لا يحظى بإدراك واسع بين علماء النفس؛ إذ جرى ملاحظة التغيرات في مفاهيم بعينها بصورة مجزأة، لكن الاتجاه العام لم يُلتفت إليه، كما لم تُناقش أسبابه ونتائجه».
ولذلك سعى لفحص التغيرات التي طرأت على خمسة مفاهيم نفسانية، وهي على التوالي: الإساءة/الإيذاء abuse، والتنمر bullying، والصدمة trauma، والاضطراب النفسي mental disorder، والتحيز prejudice.
(1) الإساءة/الإيذاء abuse
برز مفهوم الإساءة في العقود الأخيرة نتيجة تزايد الوعي بانتشار سوء المعاملة وآثارها النفسية الضارة، ورافق ذلك التوسع التدريجي للمفهوم. في البدايات تطرح الدراسات النفسية الإساءة في نوعين رئيسيين: الإساءة الجسدية والإساءة الجنسية، وترى أن التعرّض لهما يؤدي إلى زيادة القابلية للإصابة بالاضطرابات النفسية وغيرها من أشكال الاعتلال، مع تحديد الإساءة الجسدية بكونها تعني: إلحاق الأذى البدني عمدًا، أما الإساءة الجنسية فتعني: الاتصال الجنسي غير الملائم.
وخلال العقود الثلاثة الماضية، طرأت ثلاثة تغيّرات على تصوّر مفهوم الإساءة أدّت إلى تمدد أفقي جعله يشمل ظواهر جديدة نوعيًا:
أولًا: أضيف مفهوم “الإساءة العاطفية”، أو “الإساءة النفسية”، وتشمل العدوان اللفظي، وسلوكيات أخرى تتسم بالهيمنة، أو التهديد، أو الرفض، أو الإذلال، أو التملّك، أو التناقض، أو عدم الاستجابة العاطفية.
ثانيًا: بات مفهوم “الإساءة العاطفية” يُبحث غالبًا في إطار العلاقات الأسرية بين البالغين، بعدما كان مفهوم الإساءة يُقصر تقليديًا على سلوك البالغين تجاه الأطفال.
ثالثًا: توسّع مفهوم الإساءة ليشمل الإهمال، أي الإخفاق في توفير الرعاية والاهتمام الكافيين. ففي الأدبيات المبكرة حول إساءة معاملة الأطفال، كان يُنظر إلى الإهمال والإساءة بوصفهما مفهومين منفصلين، إلا أن الإهمال أصبح يُفهم بشكل متزايد باعتباره شكلًا من أشكال الإساءة.
وكذلك تمدد مفهوم الإساءة رأسيًا، فبات يضمّ أنماطًا من سوء المعاملة في العلاقات الإنسانية تتسم بقدر أكبر من الغموض والانتشار مقارنة بتلك التي تندرج ضمن الإساءة الجسدية أو الجنسية، والتي تتسم أيضًا بقدر كبير من الذاتية واختلاف المنظور، مع ترجيح إدراك الضحية ومنظورها.
(2) التنمّر bullying
يتركز نقاش التمر حول شكل من أشكال السلوك الضار يكون فيه كلٌّ من الضحية والفاعل من الأطفال. وقد حدد دان أولويوس (الذي صاغ المفهوم في سبعينيات القرن العشرين) مفهوم التنمّر بأنه:
سلوكٌ يتضمن أفعالًا عدوانية أو سلبية تُوجَّه إلى طفل من قِبَل شخصٍ واحد أو أكثر، ويتسم بثلاث خصائص أساسية:
أ- القصدية: أي أن الفعل متعمَّد وليس عفويًا.
ب- التكرار: إذ يحدث السلوك بصورة متواصلة أو متكررة.
ت- اختلال ميزان القوة: حيث تكون الضحية أضعف نسبيًا، سواء من حيث العدد، أو الحجم، أو القوة، أو العمر، أو المكانة، أو السلطة.
وبذلك يتميّز التنمّر عن العدوان بين الأقران، فهو قد لا يكون متكررًا، كما قد يحدث بين أطراف متكافئة في القوة.
وكسابقه، توسع مفهوم التنمر مع مرور الوقت، ليشمل أشكالًا جديدة كالتنمّر الإلكتروني، وأيضًا بات يضمّ سلوكيات أماكن العمل بين البالغين بدلًا من ساحات المدارس.
ومن جهة أخرى، أصبحت تعريفات التنمّر تشمل أفعال الامتناع وسلوكيات تؤثر في العلاقات مع أشخاص آخرين غير الضحية، مثل الإقصاء والتجاهل والعزل، في حين كانت التعريفات المبكرة تركز على الهجمات الجسدية واللفظية المباشرة. وبات يشمل ظواهر أخف وأقل حدّة، عبر التخفيف التدريجي لكل واحد من المعايير الثلاثة المذكورة، سواء باستبعاد شرط التكرار، بحيث أصبح نشر صورة أو رسالة مسيئة واحدة كافيًا لاعتبار الفعل تنمّرًا إلكترونيًا. وكذلك استبعاد شرط اختلال ميزان القوة، بل وشرط القصد أيضًا، والتعويل على منظور الضحية؛ فينقل عن بعض الباحثين قوله إن «السلطة النهائية في التعريف يجب أن تعود إلى الطالب المستهدف!».
وهذا التضخم الواسع في مفهوم التنمّر يطمس الفروق بين التنمّر والتحرّش والعدوان بين الأقران، ويتعارض مع بعض أشكال حرية التعبير، ويفرض أعباء تنظيمية مفرطة على المؤسسات، بحيث قد يُطلب من المدارس «الإبلاغ عن كل سلوك عدواني والتحقيق فيه، من المزاح في ساحة اللعب إلى الاعتداء الجسيم».
(3) الصدمة Trauma
في البدايات كان يقصد بالصدمة حالة مرضيّة جسدية تنشأ عن أذى مادي، ينجم عن حدث خارجي ويُفضي إلى اضطراب عضوي.
ثم أول تحوّل في المفهوم مع ابتكار مفهوم (اضطراب كرب ما بعد الصدمة PTSD) بوصفه اضطرابًا نفسيًا. وبسبب غياب حدّ واضح يفصل بين الضغوط العادية والصادمة، ظلّ تعريف الحدث الصادم محلّ جدل. ومع تطوّر معايير DSM، انتقل المفهوم من حصره في أحداث شديدة واستثنائية إلى إدراج الخبرات غير المباشرة والتركيز على استجابة الفرد الذاتية (توصلت بعض الدراسات إلى أن توسيع تعريف الصدمة في DSM-IV جعل عدد الأحداث المصنّفة كصادمة يرتفع بنسبة 22%!)، ففي السابق، كان يُنظر إلى “الصدمة” على أنها أحداث قوية جدًا وخارجة عن المألوف (مثل الحروب أو الكوارث). لكن مع الوقت، تغيّر التعريف ليشمل أيضًا تجارب أقل شدّة، وحتى مواقف غير مباشرة أو حسب شعور الشخص نفسه. ونتيجة لذلك، أصبح عدد أكبر من المواقف يُعتبر “صدمة”، وعدد أكبر من الناس يُنظر إليهم على أنهم متأثرون بها.
بل هناك أطروحات نفسية مسرفة ترى أن أحداثًا مثل الولادة، والتحرش الجنسي، والخيانة الزوجية، وهجر الشريك، تعد “صدمة”، وأن الصدمة «تتولد عن حدث، أو سلسلة من الأحداث، أو مجموعة من الظروف، يختبرها الفرد بوصفها ضارة أو مهدِّدة جسديًا أو عاطفيًا، وتخلّف آثارًا سلبية مستمرة في أدائه ووضعه الجسدي أو الاجتماعي أو العاطفي أو الروحي»؛ وبموجب هذا التعريف، لم تعد الصدمة مقصورة على أحداث استثنائية شديدة، بل يكفي أن يختبر الفرد الحدث بوصفه ضارًا، أيًّا كان طابعه أو شدّته!
(4) الاضطراب النفسي mental disorder
من المعروف أن عدد الاضطرابات النفسية قد ازداد بشكل ملحوظ عبر الإصدارات المتعاقبة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، إذ ارتفع من نحو 100 اضطراب في إصدار 1952 (DSM-I) إلى أكثر من 300 اضطراب في إصدار 2000 (DSM-IV-TR). وهو الدليل الأشهر الذي يستعمله ملايين الأطباء النفسيين والمعالجين والباحثين عبر العالم.
وبتدقيق النظر يتبين أن طيفًا واسعًا من الحالات الجديدة ومجالات الاعتلال النفسي قد تفرّع منها وامتد إلى الخارج، بحيث أصبحت ظواهر كان يُنظر إليها سابقًا بوصفها إخفاقات أخلاقية (كتعاطي المخدرات واضطرابات الاندفاع والأكل)، أو نقاط ضعف شخصية (مثل العجز الجنسي والخجل)، أو مشكلات طبية (مثل اضطرابات النوم)، أو تقلبات طبيعية في الطفولة، تندرج اليوم تحت مظلة مفهوم “الاضطراب النفسي”.
فمن الواضح أن الإصدارات الحديثة من الدليل تميل إلى تخفيف المعايير الفاصلة بين السواء والاضطراب، مما يسمح بإدراج حالات أخف وأقل إعاقة ضمن نطاق الاضطراب، مثل اضطراب المزاج الدوري، واضطراب نهم الطعام، ومتلازمة أسبرغر. وتخفيف معايير تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى البالغين، وغيرها.
كما يرى بعض الباحثين أن معايير الاكتئاب في DSM تخلط بين الحزن المبرر سياقيًا والكآبة المرضية، وبين الخوف التكيفي والرهاب، مما يؤدي إلى الإفراط في التشخيص والعلاج الدوائي.
وهذا التوسع لا يقتصر على الـ DSM، بل يظهر أيضًا في أدبيات علم النفس الإكلينيكي، فمثلًا لم يعد مفهوم «الإدمان» مقتصرًا على الاعتماد الفيزيولوجي على المواد، بل اتّسع ليشمل ما يُعرف بالإدمانات السلوكية، وهي أنماط من الاعتماد النفسي على ممارسات قهرية. وقد طُرحت أشكال متعددة من هذه الإدمانات، من بينها إدمان الجنس، والقمار، والإباحية، والتسوّق، والألعاب الإلكترونية عبر الإنترنت، والطعام، والشوكولاتة، والتمارين الرياضية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتلفاز، والعمل، والتسمير، وغيرها. كما ظهر مفهوم “الإدمانات الخفيفة” وهي أنماط سلوكية متكررة تنطوي على بعض الأضرار، لكنها تفتقر إلى الإحساس بالعجز أو الاعتماد أو القهر الذي يميز الإدمان التقليدي، كما أن أضرارها محدودة نسبيًا.
(5) التحيز prejudice
في الأصل مفهوم التحيّز ينطوي على عداء بين الجماعات؛ إذ يحمل الشخص المتحيّز مواقف عدائية تجاه أفراد من جماعة خارجية. غير أن هذا الفهم قد اتّسع بشكل ملحوظ خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث ظهرت مفاهيم مثل:
التحيّز الحديث (لا يظهر في صورة كراهية مباشرة، بل في مواقف تبدو “متحضّرة” ظاهريًا، مثل إنكار استمرار العنصرية أو رفض سياسات معالجتها، فهو تحيّز أكثر خفاءً من الشكل التقليدي).
التحيّز الرمزي (يعني التعبير عن الرفض أو النفور عبر مبادئ أو شعارات عامة بدل التصريح بعداء مباشر).
التحيّز الضمني (ارتباطات سلبية غير واعية في الذهن تجاه جماعات معيّنة، وصاحبه قد لا يدرك أنه يحمل هذا التحيّز أصلًا!).
التحيّز النفوري (مشاعر نفور أو عدم ارتياح أو توتّر تجاه جماعة أخرى، حتى عند أشخاص يرفضون اعتبار أنفسهم متحيّزين).
التحيّز الجنسي الإيجابي (صورة من التحيّز تبدو إيجابية على السطح، مثل وصف النساء بأنهن “ألطف” أو “أرقى أخلاقيًا”، لكنها في العمق تكرّس أدوارًا نمطية وتحدّ من مكانتهن!).
الاعتداءات المجهرية microaggressions (ممارسات أو تعليقات صغيرة وملتبسة تحمل إيحاءً تمييزيًا، مثل التجاهل أو التلميحات أو العبارات الجارحة غير المباشرة. خطورتها أنها قد تُنكر من الفاعل لكنها تُدرك بوضوح من المتلقّي!).
كل هذا أفضى إلى توسيع هذا المفهوم ليشمل مواقف وسلوكيات دقيقة، غامضة، أو حتى مُدركة من قبل المتلقي أكثر من الفاعل نفسه.
لماذا تتمدد المفاهيم وتتوسع دلالاتها؟
يطرح المؤلف بعد ذلك تساؤلًا مشروعًا: لماذا يتركّز التوسّع على المفاهيم السلبية؟ ولماذا تتوسّع بدل أن تضيق؟ ولماذا يتم هذا التوسّع بشكلين: أفقي (إضافة حالات جديدة) وعمودي (إدخال حالات أخفّ)؟، ثم يعرض لعدة تفسيرات محتملة:
الأول: أن المفاهيم تتغيّر بطبيعتها، لارتباطها بالممارسة الاجتماعية المتغيرة، وهذا تفسير ركيك، لأنه يفسّر التغير لا التوسع.
الثاني: أن الباحثين يوسّعونها بسبب الاهتمام العلمي؛ لكن هذا لا يفسر استثناء المفاهيم الإيجابية.
الثالث: بسبب تزايد تأثير علم النفس في المجتمع، أو ما يعرف بـ (psychologization) واتساع نفوذه الثقافي. ولكن هذا التفسير يشرح التوسّع عمومًا، لكنه لا يفسّر لماذا يتركّز في المفاهيم السلبية تحديدًا. (تحدثت عن ذلك في كتابي موت الأسرار في فصل مستقل).
الرابع: نتيجة التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، كظهور التنمر الالكتروني، وهذا التفسير يشرح التوسّع الأفقي (إضافة حالات جديدة) دون العمودي (إدخال حالات أخفّ)، كما أنه لا يفسّر خصوصية المفاهيم السلبية، ويظل جزئيًا لا شاملًا.
ثم يقترح المؤلف السبب الأهم في نظره وهو: التحوّل الثقافي الواسع، وليس التغيّر الاجتماعي أو عوامل متأصلة في علم النفس أو البحث الأكاديمي. ويتمثل هذا التحول الجماعي واسع الانتشار في «الحساسية المتزايدة تجاه أشكال جديدة من الضرر» أو الأذى والانزعاجات، والتي ألقت بظلالها على هذه التوسعات المذكورة فيما سبق.
فكان ماذا؟
وأخيرًا يشير نيك هاسلام إلى بعض التداعيات الأخلاقية الناجمة عن هذا التمدد في المفاهيم النفسانية، فيرى أنه يؤدي إلى:
1- «تقليل إدراك قدرة هؤلاء الأشخاص على الفاعلية agency، مما يعرّفهم فعليًا على أنهم ضحايا عاجزون يتعرضون للأفعال بدلًا من أن يكونوا فاعلين.
2- اتساع نطاق الضرر الناتج عن تمدّد المفاهيم ينطوي على خطر خلق فئة متزايدة من «الأشرار» المصنّفين أخلاقيًا: كالمسيئين، والمتعصبين، والمتنمّرين، والمتسببين في الصدمات، الذين يُنظر إليهم على أنهم مستحقون للّوم، لكن يُحرَمون في الوقت نفسه من استحقاقهم الأخلاقي للتعاطف..
3- قد يوسّع نطاق الاهتمام الأخلاقي ليشمل الفئات الضعيفة، وفي الوقت نفسه يُنمّي شعورًا بالضحية ويعزّز صورًا مستقطبة بين معانين أبرياء ومرتكبين مذنبين».
المصدر:
Haslam, N. (2016). Concept Creep: Psychology’s Expanding Concepts of Harm and Pathology. Psychological Inquiry, 27(1), 1–17. https://doi.org/10.1080/1047840X.2016.1082418

