ترجمة فورية وفهم مؤجَّل
مؤخرًا بدأت العديد من مواقع شبكات التواصل الاجتماعي بترجمة المحتوى من اللغات المختلفة فورًا إلى لغة المستخدم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. كما في منصة X (تويتر سابقًا)، وأيضًا في هذا الموقع، إذ أُعلن حديثًا أنه ستتاح قريبًا ترجمة فورية للمنشورات إلى لغة المستخدم. نعم، خدمة الترجمة بشكل عام كانت متاحة في بعض التطبيقات منذ سنوات، لكن الجديد هو الإتاحة الفورية، والطابع الحيوي بعد ربطها بالذكاء الاصطناعي.
ما الذي سيتغيّر؟
يمكن أن يحدث الكثير، وأرى أن هذا تحول مهم جديد، بل أكثر أهمية مما قد يبدو للبعض. لا أريد أن أبالغ وأقول إنه تحول ثوري، لكنه تحول مهم جدًا لأسباب كثيرة، من أبرزها الإتاحة الأوسع في الاطلاع على المحتوى العالمي؛ لأنه مهما كان الإنسان بارعًا، فهو في الغالب بارع في لغة أو لغتين على الأكثر، لكن مع الترجمة يمكن أن تتاح له إمكانية الاطلاع على العديد من اللغات الأخرى.
وهذا يعني أيضًا، سهولة الاطلاع على المصادر الأساسية بشكل مباشر؛ فالكثير من الأخبار تكون مصادرها من المؤسسات الإخبارية والصحفيين بلغات مختلفة بحسب الوقائع والأحوال، وغالبًا ما تكون المؤسسات الغربية هي الأكثر تأثيرًا، ومن ثمّ يمكن للقارئ العربي أن يطلع على المصدر المباشر دون «فلترة» القنوات والمنصات العربية الأخرى، التي تكون في الغالب مسيّسة أو مؤدلجة بتنويعات مختلفة.
لكن، من جهة أخرى، يمكن أن نتنبأ بوضوح بأن هذا سيفاقم من إمكانية الاطلاع على المحتوى الهرائي والغثائي والمؤامراتي الوافر في أنحاء العالم الرقمي، وأيضًا سيكون القارئ العربي المسلم مهددًا تحت وطأة تضخم الثقافة الليبرالية الذائعة (تنوع الاطلاع على محتوى اللغات سيجعلك تعرف اتساع رقعة المضللة والفاسدة).
وكل هذا يذكرنا أو ينبهنا إلى ضرورة تزايد الحاجة إلى تطوير ملكة التمييز الثقافي، وتعميق «الحس النقدي». وهذه الكلمة، التي تبدو مبتذلة، وبالفعل كذلك، لا أقصد بها دراسة ما يسمى بالمغالطات المنطقية وأشباهها، وهي موضة انتشرت في الفترة الأخيرة. فالمغالطات المنطقية تقدم كجملة مغلقة وجامدة، ومن ثمّ قد تكون قليلة الأهمية في مقابل الاستيعاب الكلي للأطر الرئيسية لفهم المعرفة، بدلًا من التمسك بالتقنيات الجزئية الهامشية.
فالحسّ النقدي الفعلي، أو الحقيقي، لا يقوم أساسًا على معرفة مجموعة من التقنيات النظرية أو الآليات المجردة، التي قد تتسم بالسطحية والسذاجة، أو التي تتمحور حول الانفتاح في الرأي وشتم التعصب، وما إلى ذلك، فضلًا عن التسرب الكبير للمزاج النسبي داخل أطروحات ما يسمى، بين قوسين، بالحس النقدي.
وإنما المقصود أن هذا الحسّ التحليلي والنقدي لا معنى له دون تركيب الأسس وبناء القواعد ونصب الأصول النظرية والعلمية والاعتقادية. فقبل كل شيء يحتاج المرء إلى تصحيح معرفته بأصول الاعتقاد بالله تعالى، وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وبأصول الشريعة، وأصول الأدلة على كمالها وثبوتها، وتقويم الإيمان، أصلوه وفروعه، والبصيرة في أصول الفروع، والقواعد الفقهية العامة الضابطة لنظام الشرع وسائر الأحكام، وما إلى ذلك من الأصول العامة التي لا يمكن لأي شخص يريد أن يتقاطع أو يتحاور أو يتثقف أو يطّلع -لا سيما المهتمين بالشأن الثقافي والفكري والأدبي- أن يستغني عنها.
ولذا، لا يمكن للمرء أن يتملّك الحاسة التمييزية والذهنية النقدية دون أن يؤصّل ويبني في ملكته العلمية والاعتقادية هذه الأصول. بل لو فاته كثير من التقنيات النقدية، فإنه يكون أقرب إلى الحصانة الثقافية من غيره ضد الأفكار والمقترحات المضللة.
أما الترجمة من حيث هي، فإن الوضع الراهن -أي ظاهرة الترجمة الآلية في شبكات التواصل الاجتماعي- لن يكون خاليًا من الأزمة المستمرة في الترجمة. فهناك الكثير -كما تعرف- مما لا يقبل الترجمة في النصوص، أو ما يفقد أثنائها؛ إما بسبب النبرة في الألفاظ، أو بسبب السياق، وهو الأهم والأكثر تأثيرًا (توصلت دراسة شذى الشايع المنشورة في يناير من هذا العام بعد دراسة نماذج من ترجمات انستغرام إلى وجود «تشوهات متكررة في المعنى السياقي والإحالي»)، أو بسبب التباين في الاستعمال بين اللغات الفصحى والعامية، واللغات الأساسية والثانوية، أو اللهجات المختلفة في سياقات متعددة في شتى اللغات الحية المعاصرة.
فضلًا وجود عراقيل نوعية تجعل ترجمة التغريدات ونحوها تختلف عن ترجمة الكتب، كالمصطلحات الدارجة والرموز والهاشتاقات، وضرورة المعالجة الآنية، والتحولات المجتمعية المتسارعة التي تنتج ألفاظًا ومصطلحات ومفاهيم جديدة يوميًا، تتضمن عادة إحالات ودلالات وظلال خاصة (قد تكون غامضة) لحوادث أو أخبار أو وقائع بعينها، وكذلك تضمنها للكثير من الشوائب النصية (كالأيقونات التعبيرية والزلات المطبعية…الخ).
كما هو واضح، ستظل هناك فجوة ثقافية ولغوية ليس من السهل تجاوزها وإن تقلصت بسبب تقدم الرقمنة الترجمية، ولكن ستظل الأخطار والاحتمالات قائمة مهددة القارئ غير البصير أو المتعجّل في الوقوع في مزالق المعرفة المترجمة، وقد تجره إلى فهوم مضطربة، وفساد عريض في تصور المعاني واستيعاب الأفكار.


حاليا تيك توك يترجم التعليقات باللغات الاخرى للهجه العربيه السعوديه واحيانا المصريه
انا اشوف الترجمه الى اللهجات سيء لانك تترجم لغة اخرى من ثقافه اخرى ليش تحولها للغتي وثقافتي ؟ هذا لن ينقل معنى كلام الكاتب ابدًا ومقصده من كلامه
ادعم الترجمه الى الفصحى نفس ماكنا متعودين