عقلية «العنب الحامض»
(1)
لو حاولت أن تنقل من الفلسفات القديمة بعض المقولات والاقتباسات هنا أو في الشبكات التواصلية، سترى بسهولة أن المقولات الرواقية هي التي تلقى رواجًا. ويمكن عزو اشتهار كتاب مارك مانسون «فن اللامبالاة» أنه سعى إلى إعادة تقديم (محرّف؟) لمفهوم «الأباتيا apathês» عند الرواقيين. وكتب كثيرة مشابهة.
أعترف أن الرواقية في بعض تمثلاتها توافقني تمامًا، ولا أنسى استمتاعي بقراءة تأملات ماركوس أوريليوس. ولكن ليس كل ما يوافق أمزجتنا يكون نافعًا! أليس كذلك؟ لا سيما حين يكون مزاجك سوداويًا، أو مختلًا بنحو أو بآخر. المهم أن العديد من المراقبين الثقافيين لاحظوا عودة قوية لتقديم الرواقية، وإن كان بنسخ متنوعة نسبيًا، كما سأشير.
ويطرح الفيلسوف الفرنسي بيير فيسبيريني Pierre Vesperini التفسير الذي أفضّله وأراه الأدق لهذا البعث الرواقي، وذلك في كتابه عن ماركوس أوريليوس:
«في مجتمع «بلا معايير»، تائه بسبب «فقدان القيم»، تأتي الفلسفة القديمة في الوقت المناسب لتزوّد الإنسان الحديث بـ«أخلاق» تحلّ محلّ الأخلاق المسيحية التي تُوصَف بأنها عقائدية، وغيبية، ومعادية للمرأة، ومناهضة للملذّات، وقد فقدت مشروعيتها بفعل ما يلخّص المشروع الحديث: المطالبة بالسعادة الفردية».
ويؤكد ذلك الكاتب والفيلسوف جوليان باغيني، ويضيف أن النسخة الرواقية الشائعة «تنسجم على نحوٍ لافت مع أيديولوجيتنا القائمة على الفردانية والاكتفاء الذاتي». فضلًا عن اتساقها الواضح مع النزعات النيولبرالية البائسة، والتي يمكن تلخيصها في النكتة التي تقول: «الرواقية الحديثة هي الطريقة التي يقنعك بها مديرك في العمل بأنك لا تحتاج إلى زيادة في الراتب، بل تحتاج إلى تغيير 'تمثّلك الذهني' لفقرك فحسب!». بمعنى أن فردنة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عبر التركيز على المخيلة الفردية او الفلسفة الداخلية يبدو خداعًا فاسدًا، فحث الناس بالقول: « غيّروا نظرتكم إلى المعاناة، قد يكون أحيانًا طريقة لتجاهل أسبابها»، دعني أزعم ليس (أحيانًا) بل غالبًا.
(2)
وكما هو متوقع، فإن هذا «البعث الرواقي» للفلسفة القديمة يتجاهل كما يلاحظ فيسبيريني أن القدماء لا يختزلون الفلسفة «في ممارسات «أخلاقية» فحسب، بل إنها تشمل ممارسات يمكن أن نصفها بلغتنا اليوم بأنها «سياسية» و«اجتماعية» و«دينية» و«روحية» و«جمالية» و«ترفيهية» وغيرها»، لأنه -كما يقول مارك بلوخ- «ليس من عادة الناس، ، أن يغيّروا مفرداتهم كلما غيّروا عاداتهم!».
ويغوص فيسبيريني في كشف المفارقات التاريخية في استدعاء الرواقية، ويرى «الفكرة القائلة إن الفلاسفة كانوا يقدّمون لمستمعيهم أسلوبَ حياةٍ خاصًّا، أو أن الفيلسوف ينبغي أن يكون «رجلًا من خارج المجتمع» يقف في مواجهته ليعارض ويُشكّك في المعايير والعادات الاجتماعية وكذلك في النظام الإمبراطوري، هي تصوّر مُسقَط على الماضي ولا يعبّر عن واقع العصور القديمة».
(3)
ولو تتبعت الاستحضار المعاصر للرواقية -لا سيما في نسختها الأوريليوسية- ستلاحظ بجلاء غياب مفهوم الآلهة، وكأن المعاصر يغمض ليس عينه، بل عينيه عن المحتوى الغيبي، أو الميتافيزيقي، بينما في الواقع «تحضر في أقوال ماركوس أوريليوس، الآلهة حضورًا طاغيًا. فالاستقامة تعني، كما عند إبيكتيتوس، «اتباع الآلهة»، وتعني «العيش معهم»، و«الاتصال بهم»، لأن الإله «يسير على استقامة»، وقد لخّص يوليانوس حياة ماركوس أوريليوس بهذه العبارة: «محاكاة الآلهة» [تسرّبت هذه الفكرة (التشبه بالإله بحسب الطاقة البشرية) لاحقًا في الكلاميات والفلسفات المنسوبة للإسلام]... ومن ثمّ، فإن المثال الأخلاقي والسياسي عند ماركوس أوريليوس هو كذلك مثال ديني، مع العلم أن هذه التصنيفات التي نفصل بينها اليوم (الأخلاقي، السياسي، الاجتماعي، الجمالي، الديني) كانت مترابطة لا تنفصل».
وهنا يبرز تساؤل مشروع عن طبيعة هذه «محاكاة الآلهة»، فيزعم البعض أن المقصود نظام الطبيعة، ولكن هذا غير صحيح، لأن توصف بالتعدد، وليست مجرّدات ذهنية، بل يمكن رؤيتها، بل يمكن للبشر الاتصال بها عبر الدعاء والأحلام والوحي، ولذا يشكرها ماركوس أوريليوس لأنها «أرشدته في المنام إلى علاجات متعددة، خاصة لسعال الدم والدوار»، بل يحثّ نفسه على الإكثار من الاتصال بها قائلًا: «في كل أمر ادعُ الآلهة، ولا تقلق من طول الوقت الذي ستقضيه في الدعاء؛ فحتى ثلاث ساعات تكفي»، ويسجل فيسبيريني هذه الملاحظة بخصوص هذا النص ونظائره:
«غالبًا ما يحاول الشرّاح -إن لم يتجاهلوا هذا النص- تفريغه من مضمونه الديني، فيرونه مجرد دعوة إلى عيش حياة صالحة، لكن مراسلاته مع فرونتو تُظهر أن الصلوات التي كان يوجّهها إلى الآلهة، مثل دعائه لوالديه وأصدقائه، كانت جزءًا من حياته اليومية»، كما كان يقدّم القرابين أمام تماثيل أساتذته، و«كان يجلّ الآلهة إلى حدّ أنه كان يقدّم لها القرابين في بيته حتى في الأيام المشؤومة»، ولم يكن الرواقي الوحيد كما قد تتوهم، بل ختم الفيلسوف الرواقي كورنيتوس حديثه عن الآلهة مرةً بدعوة تلميذه الشاب إلى «الدعاء، وتقديم القرابين، والسجود، وأداء الأيمان كما ينبغي، وفق العادات الموروثة ووفق العقل المنظِّم!». وكذلك نصح إبيكتيتوس وأنطونينوس مستمعيهم بتقديم القرابين للآلهة. فضلًا عن الطقوس التي مارسها أوريليوس مع الكهنة قبل بعض معاركه. وكذلك الحال في كلامه عن الشياطين، فيبدو أنه يراها -وإن كانت نصوصه شحيحة وغامضة في ذلك- كالآلهة كائنات واقعية تمامًا.
(4)
وعلى كل حال؛ فإن أوريليوس لم يكن كما ينظر له معاصرينا، بل كان مهملًا في التواريخ القديمة، ثم أعيد بعثه لدى الرواقيين الجدد في القرن السادس عشر بوصفه قديسًا تائبًا، وتطور تلقيه ليكون في القرن السابع عشر مثالًا للأمير الفيلسوف و«المستبد المستنير»، ثم انتقل لاحقًا ليصبح عند أمثال جياكومو ليوباردي (1798–1837)، وغوستاف فلوبير (1821–1880)، وإرنست رينان (1823–1892)، وأنطونيو غرامشي (1891–1937)، وآخرين رمزً من رموز الحداثة، ومن شخصية غريبة إلى شخصية مألوفة، ولكن بيير فيسبيريني بعد فحص المصادر والبحث الدقيق توصل إلى أنه «ينبغي أن نفهمه كما كان حقًا: لا ملكًا كتابيًّا متأخرًا، ولا رجل سياسة حديثًا قبل أوانه، بل أرستقراطيًّا رومانيًّا أصبح إمبراطورًا على مضض. وكما هو حال كثير من شبّان روما، كانت الفلسفة، بما تحمله من معرفة موسوعية، شغفًا شبابيًّا لم يفارقه قط. وكغيره من رومان العصر الإمبراطوري، وجد أيضًا في خطاباته الأخلاقية وسائل لمواجهة الانفعالات التي قد تهدّد مكانته الاجتماعية ».
(5)
لكن، ماذا عن الجاذبية الخاصة التي تحف الأطروحة الرواقية حيال المشاعر؟
حسنًا، لا بد من القول أن تأويل المفهوم الرواقي للمشاعر لا يخلو من التباس نوعًا ما، ولكن الذي الانطباع العام يدور حول تعطيل أو محو المشاعر والانفعالات غير الفاضلة جملةً، فالرواقية، في جوهرها كما يقال، تقليل للمشاعر إلى أدنى حدّ، ومكافحتها بأسلوب جذري، فـ«الحزن: يتعلق بمكروه حاضر، والخوف: يتعلق بمكروه متوقّع، والرغبة تتعلق بمحبوب متوقّع، واللذّة تتعلق بمحبوب حاضر: ويشترك الجميع في خطأ معرفي يتعلق بتقدير القيمة أو اختيار الاستجابة، وهو ما يتعارض مع العيش وفق الطبيعة» الخيّرة للعقل الذي لا يجد في غير الفضيلة موقعًا للسعادة الحقيقية.
وهذه الرؤية يصفها برتراند رسل بأنها «تنطوي على شيء من عقلية «العنب الحامض»؛ نحن لا نستطيع أن نكون سعداء، لكن نستطيع أن نكون صالحين؛ فلنتظاهر إذن بأن الصلاح يكفينا، وأن الشقاء لا يهم ما دمنا صالحين»
وللرواقين أقوال صارمة وجذرية في هذا الصدد، فالرواقي اللامع سينيكا كتب مرةً إلى صديقه المفجوع: «لا أكاد أجرؤ على أن أطلب منك ألّا تحزن إطلاقًا.. ومع ذلك فأنا أعلم أن هذا هو الطريق الأفضل!»، ويكتب إبكتيتوس بصرامة فلسفية باردة: «إذا قبّلتَ طفلك أو زوجتك، فقل لنفسك إنك إنما تقبّل كائنات بشرية فحسب، وبذلك لن تضطرب إذا مات أحدهما!».
وبغض النظر عن الأقوال التي تبدو فجّة كهذه، فإن التصعيد الرواقي ضد تأثير العوارض الخارجية يبدو لنا جذابًا للغاية، لأننا نعيش ضمن عالم منفلت، وفي اقتصادات هشة، وتصارعات سياسية متناقضة، يقف المرء أمامها وهو في غاية العجز والخيبة، فصاروخ متعجرف وأحمق من إفرنجي أقلف يؤخر فستان زفاف عسيرية، وخلافات المزارعين في حقول الكاكاو في غرب أفريقيا تؤثر على سعر الكتكات في الدكان المجاور، ماذا أصنع إذًا؟ «تناول ضفدعاً حياً كل صباح، ولن يحدث لك شيء أسوأ من ذلك بقية اليوم!». أو بصياغة أدقّ: لا تبال تمامًا بكل ذلك، وأجهض كل توقعاتك حيال البهجة والسعادة والسكينة والرضا والثروة والصحة، بحيث لو تعرّض بعضها لعطب أو نقص لم تتأثر نفسه بذلك. تمام؟ طيب.
وهنا يحكي أستاذ الفلسفة بجامعة بايلور توماس وارد حكاية مهمة تكشف عن المزاج الثقافي الحالي في لحظته الرواقية:
«لقد ألقيتُ مرةً محاضرةً أمام جمهور أكاديمي عن فهم توما الأكويني للرؤية السعيدة، أي ذلك الاتحاد العقلي الأسمى مع الله، وشرحتُ كيف يرى الأكويني أن البشر يطلبون السعادة قبل كل شيء، لكنهم كثيرًا ما يختلفون في كيفية بلوغها. ويرفض المظانّ الشائعة للسعادة، كالمتعة، والثروة، والجاه، والسلطة، ويعتقد أن كل شيء مخلوق لا يستطيع أن يجعل الإنسان سعيدًا حقًّا...الخ. غير أن إحدى الحاضرات لم يرق لها هذا الطرح، ولا تعاطفي مع الأكويني. فقالت -على الطريقة التي يطرح بها الأكاديميون أسئلةً يقصدون بها في الحقيقة تقريرَ آراء-: «لماذا لا نرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في رغبة الإنسان نفسها؟ أليست الرغبة في سعادة لا يمكننا نيلها هي المصدر الحقيقي لشقائنا؟ ولو استطعنا القضاء على هذه الرغبة، أما كنا نتحرر من المعاناة؟». فأنت ترى كيف أن نموذج السعادة الإيماني منفّر إلى درجة أن بعض المعاصرين مستعدون لبذل كل ما يمكن لإلغاء الرغبة، هربًا من الاضطرار بالتسليم للالتزام الديني بالسعادة الروحية الممكنة.
(6)
بقي أن أشير إلى أن التمييز بين الداخل الذاتي والخارجيات العارضية ليس دائمًا بهذا الوضوح، فالإنسان «كائن علائقي بطبعه؛ نحن ما نحن عليه بفضل علاقاتنا بالآخرين: بأفراد الأسرة، وبالمواطنين، بل وحتى بالعالم الطبيعي». وكذلك فإن التمييز المفرط بين ما يمكن التحكم به وما لا يمكن؛ «تبدو وكأنها تغفل ما يقع بين الطرفين، أي ما يمكننا التأثير فيه دون أن نملك السيطرة عليه»، كما يقول المعالج النفسي مايكل إيدلستاين، فليست المسألة كما تقول الطرفة: «يقول الرواقيون: ركّز على ما تستطيع التحكم فيه؛ وبما أنني لا أستطيع التحكم في معظم ما يجري في هذا الاقتصاد، فقد قررت أن أكرّس جهدي كله لاختيار لون جواربي!».

