سرديات الاكتئاب
حكايتك لحزنك اخطر مما تظن!
(1)
حين يسأل المكتئب عن حاله بجدية، فإن جوابه المستفيض يعد «سردية Narrative» بنحو ما، فالجواب عادةً فضلًا عن (حكي المكابدة الشخصية) هو محاولة لتنظيم الخبرة، وترتيب التجربة المعاشة في شكل نصي قابل للاستيعاب من المتلقي. حسنًا، كنت نقلت قبل أيام ما ذكره ماثيو راتكليف في كتابه عن ظاهراتية الاكتئاب قوله:
«تتخذ كثير من الكتابات الحديثة عن الاكتئاب شكلَ سرديةِ سعيٍ أو رحلة؛ إذ يُصوَّر الاكتئاب بوصفه شيئًا يمرّ به المرء أو يتغلّب عليه، كالإبحار بقارب عبر بحرٍ عاصف أو العثور على طريقٍ في غابةٍ مظلمة. وفي أثناء ذلك، يُعتمَد في كثير من الأحيان “أسلوبٌ اعترافي” ذو طابعٍ نمطيّ إلى حدّ ما. كما تميل السرديات المنشورة إلى فرض قدرٍ من الإغلاق، أي نهايةٍ للرحلة، وهو ما قد لا يعكس الوقائع غير المنتظمة لحالة المرء».
وأحببتُ أن أتابع البحث قليلًا، فعثرت على كتاب «الاكتئاب والسرد: سرد العتمة»، الصادر عام 2008 من تحرير هيلاري كلارك.
ولكن قبل ذلك، كان لديّ ولا يزال تشكك مستمر من الهوس الأكاديمي بالسرد، أو ما يسميه غالن ستروسون «الأرثوذكسية السردية»، بل يقرّ جيمس فيلان (محرر مجلة Narrative) بظاهرة «الإمبريالية السردية»، التي تتمثل في تضخم مركزية السرد Narrative Overreach في فهم الهوية والذات والتجربة والثقافة ككل. وكما تعرف ففي حالات الاكتئاب الحاد تتضاءل القدرة نفسها على السرد بسبب انغلاق البنية الباطنية تجاه الزمان والوجود، وهذا يعني إقصاء التجارب غير القابلة للسرد، لأن الاكتئاب قد يدمّر القدرة على بناء قصة ذاتية، فالسرد أحيانًا يفشل في تمثيل “تفكك الذات”.
ومع الإقرار بأن السرد يمنح التجربة قابلية للفهم، إلا أن هذه القابلية تتبلور عبر عمليات انتقاء واختزال وترتيب وتأويل، ويتضح ذلك في ثلاثة مسارات أساسية:
الأول: فرض السببية:
فالسردية معنية بتحويل التعاقب الزمني إلى علاقة سببية، فحين يقول المكتئب كنت في علاقة ثم انفصلت أو خسرت صفقة مهمة ثم بدأت معاناتي فهو يركّب سببية محددة، وقد يقصي هذا التركيب السردي احتمالات متنوعة ومسببات اجتماعية وبيولوجية ونفسية أخرى.
ثانيًا: تبسيط التعقيد:
فالتجربة الإنسانية تتكوّن عادةً في صورة متداخلة وضمن حيثيات متناقضة ومفتوحة، ولكن عند السرد لا بد من اختيار ما يُعدّ مهمًا، وإقصاء ما عداه، وربط الأحداث ضمن خط دلالي مفهوم. وجزء من هذه العملية يرتبط بآليات تكوّن الذاكرة، حيث ثبت أن الذاكرة ليست نسخًا مجردًا للوقائع، بل هي إعادة بناء معقّدة.
ثالثًا، توليد الوهم بالاتساق:
ويبدو لي هو الأخطر، لأن الذاكرة الذاتية تتأثر بشدة بالحاضر وبصورة الفرد عن نفسه (فضلًا عن كونها عرضة مزمنة للتحيز، والقابلية للإيحاء)، فاسترجاع الماضي يتضمن دائمًا قدرًا من إعادة الصياغة، وتؤكد الأبحاث أن
«السرد ليس تسجيلًا حرفيًا للأحداث، وإنما هو -في الواقع- عملية إعادة بناء تُنظَّم فيها الخبرة وفق متطلبات الاتساق وصناعة المعنى، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى إعادة تفسير التفاصيل أو تقليل دقتها لصالح بناء سردي أكثر تماسكًا!».
أضف إلى ذلك أن الاتساق السردي هو أيضًا مطلب مؤسسي، فالمؤسسات الطبية، والقانونية، والنفسية، والتعليمية تطلب من المرء أن يقدّم “قصة” مفهومة عن نفسه، سواء كانت قصة مرض، أو صدمة، أو تعافٍ، أو هوية، أو نحو ذلك.
(2)
فضلًا عن الهيمنة الثقافية/الاستعمارية أحيانًا لأنماط محددة في السرد، فما يُعتبر “قصة جيدة” غالبًا يعكس معايير ثقافية مهيمنة (غربي، ليبرالي، فرداني)، حيث يتغلب البطل على أزمته بإرادته القوية والحرّة، ومن ثمّ “يعود” إلى الفاعلية الاجتماعية.
وفي دراسة حول مرضى مسلمين وجدت الدراسات أن سردهم للمرض لا يسير خطيًا -بالضرورة- نحو الشفاء، بل ينتظم حول مفاهيم القلب والانكسار الروحي، والقدر، والابتلاء، والعلاقة بالله، وهي بنية سردية لا تقل تماسكًا عن السرديات الأخرى، لكنها غير مرئية في العيادة والتيار العام في الأكاديميا الغربية.
(3)
في التسعينيات عمد ديفيد كارب إلى إجراء خمسين مقابلة متعمقة مع رجال ونساء مصابين بالاكتئاب، وطرح ما يسميه «المسار الاكتئابي depression career»، الذي يصف المراحل المتعاقبة التي يمر بها الأفراد خلال مرضهم، وذلك في كتاب شهير نشر عام 1996:
وهو يصف نمطًا عامًا متكررًا في روايات المرضى، يمكن تلخيصه بهذا النحو:
1- يبدأ هذا المسار غالبًا بحالة من الضيق أو المشاعر السلبية غير المحددة التي يصعب تفسيرها.
2- ينتقل بعض الأفراد إلى محاولة تفسير هذه المعاناة، حيث لا تعود تُعزى فقط إلى ظروف خارجية بل تُفهم جزئيًا بوصفها مرتبطة بالذات.
3- بعد ذلك، قد يدخل الشخص في تفاعل مع خبراء الصحة النفسية، حيث يُعاد تأطير تجربته ضمن تشخيص طبي للاكتئاب.
4- وفي مراحل لاحقة، يعمل الأفراد على التكيف مع هذا التشخيص وإعادة بناء هويتهم في ضوئه. ويؤكد كارب أن هذا المسار لا يمثل سياقًا حتميًا صارمًا، بل هو أقرب إلى نمط شائع ومرن قد يختلف بين الأفراد، كما قد يتكرر عبر نوبات متعددة نظرًا للطبيعة الانتكاسية للاكتئاب.
(4)
في ورقة في «الاكتئاب والسرد: سرد العتمة» تلاحظ جينيفر رادن أن سرديات المرض النفسي تنطوي على افتراضات ضمنية حول علاقة الذات بأعراضها.
وتُميّز بنيويًا بين نموذجين رئيسيين:
النموذج الأول: اغتراب الأعراض: فالأعراض أمر يحدث للشخص لا جزءًا منه، والتعافي يصبح استعادة لذات سابقة عبر التحكم في الأعراض وإدارتها وتقليل حضورها.
النموذج الثاني: تكامل الأعراض: فالأعراض تصبح جزءًا من تكوين الذات، والتعافي تكون عبر إدماج هذه الأعراض داخل الهوية، لا مجرد إزالتها. وفي هذا السياق، قد تُفسَّر الأعراض بوصفها ذات دلالة أو معنى ضمن تجربة الشخص، بدلًا من اعتبارها مجرد خلل ينبغي استبعاده.
(5)
وتطرح ورقة أخرى بعض الإشارات عن السرديات المكتوبة على الشبكة بشأن الاكتئاب، وترى أنها شديدة التنوع، بل تذهب إلى القول إن هذه السرديات «قد تمثّل صورًا دقيقة على نحوٍ فريد لهذا المرض. مع أنها تقع غالبًا في فخ محاولة قول ما لا يمكن قوله تحديدًا، من خلال السعي إلى إضفاء معنى على ما لا معنى له، أو جعل غير القابل للقول قابلًا للفهم!».
ولكن ما فات الورقة عنصر الأداء أو العرض/الاستعراض في السرديات الرقمية، وأيضًا التشارك الجمعي في بناء السردية، فالسرد التقليدي يقدم عادةً إلى (طبيب، أو في كتاب، أو مقابلة)، وغالبًا تقدم دون تفاعل، أما على الشبكات ففي الغالب تُبنى عبر تفاعل مستمر مع الآخرين، فيكتب إنسان عن معاناته، فتأتي التعليقات مؤكدة أو متعاطفة أو ساخرة، لتحث الكاتب والقراء على تبني مزاج سردي من نوع ما، ومن ثمّ تنتشر قوالب معينة حيال التجربة الاكتئابية.
ومن الملاحظ أن الناس يميلون -بشكل واعٍ أو لا- إلى صياغة تجاربهم ضمن هذه القوالب، بل يرى البعض أن البيئة الرقمية يتحول السياق أحيانًا إلى عنصر ضغط غير مباشر لكتابة التجربة بطريقة “مفهومة اجتماعيًا”، ناهيك عن قد تتشكل “ثقافة اكتئاب”، تسعى لنشر أشكال خطابية من تطبيع الألم، أو حتى تعزيزه أحيانًا، إلى جوار الحث على كتابة التجربة بطريقة معينة.



