هل نحن جميعًا مدمنون؟
يصيبني الانزعاج من تواتر الحديث عن الإدمانات لاسيما الرقمية، والأسوء هو ربط تفسيرات الإدمان بالنواقل العصبية والدوبامين، وربط العلاجات المقترحة بالدماغ. ربما الهوس العام بالأسرار الدماغية سهّل خطاب الهرمونات والنواقل وسائر المصطلحات التي تنتهي بـ"ين".
ويمكن اعتبار كتاب "أمة الدوبامين" النموذج الأشهر لهذا اللون من الخطاب الاختزالي.
وفيما يلي أنقل شذرات متفرقة من أفكار حول الموضوع. اعتبرها مسودة، لم أجد وقتًا بمزاج جيد لأصوغها بطريقة أفضل.
يرى جوليان أنغار-سارغون أن الكتاب «يعاني من نزعة اختزالية أساسية تتمثل في وضع الإدمان أساساً -بل تقريباً حصرياً- ضمن إطار الكيمياء العصبية. فتوازن اللذة والألم مع أهميته يتحول إلى ما يشبه “سرير بروكروست” تُجبر جميع ظواهر الإدمان على الانطباق عليه؛ وهكذا يصبح الإنسان، في جوهره، نظاماً لإدارة الدوبامين، حيث يُختزل معاناته في اختلالات النواقل العصبية، ويُفترض أن شفاؤه يتحقق من خلال التنظيم المناسب لهذه الكيمياء العصبية».
وذهب محقًا إلى ملخصًا نقدًا مهمًا لكثيرين أن «هذا الاختزال يترتب عليه عدة نتائج إشكالية، أولاً، كونه يحجب معنى السلوك الإدماني… فالإدمان غالباً ما يمثل استجابة لمعاناة وجودية -للوحدة، وانعدام المعنى، …، والفراغ الروحي- وهي أبعاد لا تستطيع الأطر الكيميائية العصبية التقاطها بالكامل، فالشخص الذي يسكر لتخدير حزنه، والمراهق الذي ينغمس قهرياً في الألعاب للهروب من اضطراب عائلي؛ جميعهم ينخرطون في سلوكيات تحمل معنى يتجاوز آثارها الكيميائية العصبية.
ثانياً، يوحي الاختزال الكيميائي العصبي بحلول كيميائية عصبية. فإذا كان الإدمان في جوهره مشكلة اختلال في تنظيم الدوبامين، فإن الحل يجب أن يكون إدارة الدوبامين، سواء من خلال إعادة الضبط الناتجة عن الامتناع، أو الضغط التحفيزي (الهورميسي)، أو (رغم تشكك ليمبكه في ذلك) التدخل الدوائي. غير أن هذا الإطار يعجز عن استيعاب احتمال أن يتطلب الشفاء شيئاً مختلفاً تماماً: صحوة روحية، أو إصلاحاً للعلاقات، أو إعادة بناء للمعنى».
⸻
ويذهب دارين واينبرغ في كتابه «عن الإدمان: رؤى من التاريخ، والإثنوغرافيا، والنظرية النقدية» الصادر عن مطبعة جامعة ديوك، 2024؛ إلى أن المعرفة العلمية ليست موضوعية خالصة ولا منزّهة عن المصالح. ومن هذا المنطلق، يرفض الاختزال الشامل الذي يمارسه علم الأعصاب في ردّ السلوك الإدماني إلى العوامل البيولوجية وحدها، كما يعترض على التعامل مع السياقات الاجتماعية بوصفها مجرد «معززات ثانوية» ذات أهمية هامشية. ويرى أن الفهم الشامل للإدمان يقتضي منظورًا متعدد التخصصات، ينخرط في دراسة تاريخ العلم وسوسيولوجيا المعرفة.
وعلى الرغم من أنه لا يستخدم هذا الوصف صراحة، فإن عمله ينطوي على نزعة تفكيكية واضحة، إذ يسعى إلى تقويض الثنائيات التي حكمت تفكيرنا حول الإدمان، مثل: العقل/الجسد، الطبيعة/الثقافة، العقلانية/العاطفة، العام/الخاص، الجزئي/الكلي، الذاتي/الموضوعي، والنظرية/الممارسة.
ومن ثمّ، ليس من المستغرب أن يتمحور تدخل واينبرغ في النقاش المعاصر حول الإدمان حول سؤال: «هل الإدمان اختيار؟»، ليخلص إلى أن الإجابة أكثر تعقيدًا مما يُتصوَّر. إذ يبيّن بصورة مقنعة أن كلاً من العلوم الطبيعية والاجتماعية أخفقت في تقديم تفسير حاسم لدور الاختيار في الإدمان. فالنموذج العصبي يعجز عن التمييز على نحو ذي معنى بين الإدمان وبين طيف واسع من السلوكيات الإنسانية «الطبيعية» التي تنطوي على فقدان الضبط العقلاني للذات (كالسهر مع الأصدقاء وتناول الكحول، أو القفز بالحبال، أو الوقوع في الحب)، الأمر الذي يقوّض الادعاء بأن الإدمان حالة فريدة تستدعي معاملة خاصة!
أما النموذج السوسيولوجي، فيتعامل مع السلوك الإدماني بوصفه استجابة عقلانية لظروف وبُنى غير مواتية (كالتمييز العنصري، والطبقية، والرأسمالية). غير أن هذا المنظور ينطوي على مأزق خطير، إذ يوشك أن ينزلق إلى منطق «الاختيار الحر»، وهو ما يفسّر توصيف بعض أنصاره بـ«منظّري الاختيار».
ولكي نفهم حقًا كيف يحدث الإدمان، يؤكد واينبرغ أنه يجب علينا تفكيك الحدود بين النظرية والممارسة، والنظر في كيفية اختبار الأفراد بعينهم لتعاطي المخدرات على أرض الواقع.
في الفصل الأكثر إقناعًا في الكتاب، والذي يعرض عمل واينبرغ الميداني في برامج العلاج في لوس أنجلوس، يطرح مفهوم “بيئة الإدمان ecology of addiction" وهو طرح منعش؛ جزئيًا لأنه يتخلى عن السعي في علم الأعصاب للعثور على جوهر مجرد للإدمان.
هنا، تُضفي الاقتباسات المطوّلة التي تنقل أصوات الأشخاص الذين يكافحون للتنقل بين المساحة الآمنة والمنظمة داخل برامج التعافي، وبين إغراءات وإحباطات العالم “في الخارج”، حيوية على النص، وتُظهر هذه الشهادات أنه بقدر ما نرغب في إيجاد إجابة واضحة لسؤال الاختيار، فإن الشيطان يكمن في التفاصيل؛ إذ إن واقع الإدمان “يمكن العثور عليه في التكوينات المتجسدة للممارسات المحلية، التي تتشكل داخلها التفاصيل الخاصة بشعور الأفراد المحددين بالاغتراب عن تعاطيهم للمخدرات".
ويخلص واينبرغ إلى أن إطارًا “ما بعد إنساني” يتتبع تعددية العوامل المتداخلة هو وحده المرن بما يكفي لتفسير كيف يتحرك الأفراد من لحم ودم بين حالات السيطرة على الذات وفقدانها، والأهم من ذلك، كيف يمكن دعمهم خلال هذه العملية.
**
ويرى جاييون بارك في كتابه «الإدمان يصبح أمرًا طبيعيًا: حول الذات الأمريكية في أواخر العصر الحديث» الصادر عن مطبعة جامعة شيكاغو، 2024؛ أن الإدمان على أنه مجموعة من السلوكيات الاعتيادية التي لا تختلف كثيرًا، على سبيل المثال، عن تلك التي تروّج لها صناعة التعافي. عندما أكون مثبتًا في دواسات الدراجة وأبذل جهدًا كبيرًا على جهاز بيلوتون، أشعر بشعور جيد، جيد جدًا. يفرز دماغي إشارات كيميائية عصبية تخبرني بمدى جودة هذا السلوك، مُكوِّنًا وصلات عصبية جديدة ستجعلني أميل إلى البحث عن هذا السلوك (والاستمتاع به) في المستقبل. ومن خلال التكرار، أقوم ببناء عادة سيكون من الصعب التخلص منها. الفرق الوحيد بين اندفاعي القهري في التمرين وبين الإدمان هو أن أحدهما مفيد، بينما الآخر مضر. أما الآلية الأساسية فهي متماثلة.
يوضح هذا المثال ما يسميه بارك «تطبيع الإدمان»، وهي الفكرة الحديثة نسبيًا التي تقول إن «الإدمان في حد ذاته أمر طبيعي، بمعنى أن الرغبة القهرية والسعي الإدماني ما هما إلا نسخ أكثر شدة من الرغبات والسلوكيات العادية (الصحية واليومية)، وليسا طرقًا شاذة للوجود». فجميعنا لدينا رغبات ونسعى وراء أنشطة تمنحنا المتعة، وأحيانًا يكون ذلك على حسابنا؛ والإدمان ليس سوى الطرف المتطرف من هذا الطيف.
وهذه هي الفرضية التي تقوم عليها التفسيرات العصبية الشائعة للإدمان، مثل كتاب «أمة الدوبامين: إيجاد التوازن في عصر الإفراط» (2021) لآنا ليمبكه، الذي يجادل بأن الدوبامين هو «نوع من العملة العالمية لقياس القدرة الإدمانية لأي تجربة»، وأن قصص الإدمان «ليست سوى نسخ متطرفة مما نحن جميعًا قادرون عليه» [لاحقًا، أقرّت لِمبكه، في صحيفة نيويورك تايمز بأن القول إن الإدمان ناتج عن الدوبامين وحده يُعد تبسيطًا مفرطًا].
ما يكشفه هذا، كما يرى بارك، هو أننا لم نعد نفهم أنفسنا جماعيًا كذوات تمتلك جوهرًا داخليًا ثابتًا يحدد سلوكنا. بل إن الإنسان في العصر الحديث المتأخر هو نتاج تراكم؛ من مجموعة من العادات والذكريات والتجارب المتراكمة دون جوهر أساسي ثابت. أنت حرفيًا ما تفعله، نتاج أفعالك وبيئتك، وليس كيانًا ذا جوهر ثابت، على نحو يشبه تصور وينبرغ للذات ما بعد الإنسانية التي تتشكل بفعل عوامل محلية متعددة».
—
مقتطفات معرّبة من مقالة:
Are We All Addicts? By Maria Cichosz
**
على المستوى العصبي توصل ديفيد ج. نت ورفاقه في ورقتهم (نظرية الدوبامين في الإدمان: أربعون عامًا من الصعود والهبوط) المنشورة 2015 إلى وجود «أدلة متينة على أن توافُر مستقبلات الدوبامين في الجسم، وكذلك إفراز الدوبامين، يكونان منخفضين لدى الأفراد الذين يعانون من الاعتماد على المنبِّهات أو الكحول»، وهذا يعني أن «دور الدوبامين في الإدمان أكثر تعقيدًا مما تفترضه نظرية المكافأة القائمة عليه… فالإدمان مزيج معقد من السلوكيات والاتجاهات التي تختلف من مادة إلى أخرى ومن شخص إلى آخر، ومن غير المرجح أن يفسّر ناقل عصبي واحد جميع جوانب الإدمان. ونتوقع أن يُعاد تصور الإدمان بوصفه اضطرابًا متعدد النواقل العصبية، يكون فيه نظام الدوبامين محوريًا في إدمان المنبِّهات، في حين تؤدي أنظمة نواقل عصبية أخرى أدوارًا مهمة في أنواع أخرى من الإدمان».
_



جميل جدًا، واختزال المشكلة لحلّ عام خلل..
المشكلة مركبة بمثل تركيب وتعقيد الشخص المدمن ( المعاصر ) ، على الجوانب السلوكية والفكرية والنفسية والعمرية والصحية كذلك..
فكل مانشأت مدرسة علاجية ستظهر أخرى تُعالج خلل آخر ( خصوصًا مع مستجدات الخوارزميات ومواكبتها لمستجدات النفس 😅 )
وحل الإشكالية تستوجب فهم عالي للنفس للخروج منه، وكلٌ بطريقته