تناقض المعاناة المعاصرة
«الألم المزمن يكشف حدود الطرق الحديثة في فهم المعاناة. يقول كثير من المرضى إن أصعب ما في حالتهم ليس الألم نفسه فحسب، بل شعورهم بأن هذا الألم بلا معنى. فالألم لا يؤدي وظيفة واضحة؛ فهو لا يحذّر من إصابة ولا يدل على اقتراب الشفاء، بل يستمر ببساطة.
ما يفتقر إليه كثير من الذين يعانون هو إطارٌ تفسيري. فقد كانت الثقافات القديمة توفر طرقًا لفهم الألم المستمر. كان بإمكان الإنسان أن يرى معاناته على أنها مشيئة إلهية، أو ابتلاء أخلاقيًا، أو قدرًا، أو اختبارًا روحيًا. هذه التفسيرات لم تعد متاحة على نطاق واسع اليوم. ومع ذلك، فإن الوعد الحديث -بأن الألم سيُشفى في النهاية- غالبًا ما يتبين أنه وعدٌ فارغ أيضًا.
والنتيجة هي مأزق حديث مميز: ألم بلا غاية، ولا تفسير، ولا نهاية واضحة.
كانت الثقافات ما قبل الحديثة تتوقع المعاناة، ولذلك طورت طرقًا للعيش معها. أما المجتمع الحديث فيفترض أن المعاناة يمكن عادة إصلاحها أو علاجها. وعندما لا يحدث ذلك، ينهار هذا الإطار الفكري.
لم تُلغِ الثقافة الحديثة معنى المعاناة، لكنها أعادت توزيع الاعتراف بها. فبعض أشكال المعاناة تحظى اليوم بالاعتراف والمشروعية، بينما تبقى أشكال أخرى شبه خفية.
ثمة أنواع من المعاناة باتت تحمل سلطة أخلاقية واضحة. فالصدمة النفسية، ولا سيما حين ترتبط بالهوية أو بالظلم، تحظى باعتراف واسع. كما أن تشخيصات الصحة النفسية تستجلب التعاطف والدعم المؤسسي. وأصبح الإدمان، بعد إعادة تعريفه بوصفه مرضًا، مدخلًا إلى العلاج والرعاية. كذلك فإن تجارب التمييز أو الاضطهاد تُمنح قوة خاصة تحت مسمى «التجربة المعيشة».
في المقابل، نادرًا ما تحظى أشكال أخرى من المعاناة بالاهتمام ذاته. فالألم الجسدي المزمن الناتج عن العمل اليدوي الشاق لا يثير عادة الاستجابة نفسها التي يثيرها الضيق النفسي لدى أصحاب المهن المهنية. كما أن الوحدة والعزلة الاجتماعية كثيرًا ما تمران دون التفات، ما لم تُصنَّفا طبيًا على أنهما اكتئاب. أما اليأس الوجودي الذي لا يندرج تحت تشخيص سريري، فليس له في الغالب لغة مؤسسية واضحة تصفه أو تتعامل معه.
تعترف [الثقافة الحداثية] بالمعاناة حين يمكن تطبيبها medicalized، أو تسييسها politicized، أو صياغتها في سردية narrativized. فإذا أمكن تشخيصها، أو ربطها بظلمٍ ممنهج، أو تحويلها إلى قصة مؤثرة، غدت مفهومة وقابلة للإدراك اجتماعيًا؛ وإلا فإنها كثيرًا ما تتوارى عن الأنظار.
يوّلد هذا الوضع حوافز غير مقصودة؛ فحين تمنح المعاناة صاحبها الاعتراف أو السلطة المعنوية أو الهوية، ينشأ ضغط لصياغة التجارب الشخصية ضمن تلك الأطر. فتغدو "الصدمة" مؤهلاً، ويصبح الاضطهاد مصدراً للمشروعية، بل قد يبدو التعافي نفسه موضع ريبة إذا غدت المعاناة أساساً للمكانة الاجتماعية.
ولا يعني هذا إنكار حقيقة الصدمات والمظالم؛ ولكن حين تصبح المعاناة هي اللغة الأساسية للمطالبات الأخلاقية والسياسية، تبدأ فئات الاعتراف في تحديد ملامح أنواع الألم التي يستطيع المجتمع رؤيتها.
**
تحمل الثقافة الحديثة فكرتين متعارضتين عن المعاناة:
فمن جهةٍ، نعتقد أن المعاناة ينبغي القضاء عليها. فالنموذج الطبي يتعامل مع الألم بوصفه خللًا يستدعي العلاج. وترى الثقافة العلاجية في الضيق النفسي ضررًا نفسيًا يحتاج إلى إصلاح. أما السياسة القائمة على الحقوق فتؤطر المعاناة باعتبارها ظلمًا يقتضي جبره. وفي كل هذه الحالات يظهر الألم بوصفه أمرًا لا ينبغي أن يكون موجودًا أصلاً.
ومع ذلك، لا نستطيع قبول أن تكون المعاناة بلا معنى. فخطاب الصدمة كثيرًا ما يتعامل مع المعاناة بوصفها عنصرًا مركزيًا في تكوين الهوية. وما تزال الأساطير الفنية تصوّر الألم مصدرًا للعمق العاطفي والإبداع. وحتى الثقافة العلمانية تحتفظ، في هدوء، بسرديات خلاصية، مع إصرارها في الوقت نفسه على أن الألم نفسه ينبغي أن يختفي.
والنتيجة هي تناقض فكري واضح؛ فنحن لا نستطيع قبول أن تكون المعاناة بلا معنى، لأن ذلك يبدو عدميًا. ولا نستطيع قبول أنها ضرورية، لأن ذلك يبدو قاسيًا. كما لا يمكننا الادعاء بأنها اختيارية، لأنها موجودة بوضوح في الواقع.
والحصيلة هي ارتباك ثقافي!
**
مع تراجع التفسيرات الدينية للمعاناة، وعجز الطب عن القضاء على الألم قضاءً تامًا، أخذت المعاناة تنتقل تدريجيًا إلى المجال السياسي.
ومنطق هذا التحول بسيط: فإذا لم يعد اللاهوت قادرًا على إضفاء معنى خلاصي على المعاناة، ولم يستطع الطب علاجها بالكامل، فلا بد أن يكون لها سبب سياسي. ولا بد، تبعًا لذلك، من وجود جهة تتحمل المسؤولية عنها.
وعندئذٍ تصبح السياسة أقل انشغالًا بالسعي إلى الخير العام، وأكثر انشغالًا بتحديد أيّ أشكال المعاناة تستحق الاعتراف والجبر. ويغدو الألم دليلًا على الظلم.
وفي مثل هذا السياق، لا تعود المعاناة مجرد مشكلة ينبغي حلها، بل تتحول أيضًا إلى شكل من أشكال رأس المال الاجتماعي؛ إذ تمنح صاحبها سلطة معنوية، وهوية، ومشروعية. وما كان يُعدّ في السابق مشقةً خاصة قد يصبح مؤهلًا سياسيًا.
وتساعد هذه الدينامية في تفسير صعود ما يمكن تسميته «اقتصاد الصدمة»، حيث تؤدي ادعاءات الأذى -سواء أكان نفسيًا أم اجتماعيًا أم تاريخيًا- دورًا محوريًا في الخطاب الأخلاقي والسياسي.
ويوفر التحول في تفسير الإدمان مثالًا واضحًا على هذا التغير الأوسع؛ فقد كانت المجتمعات السابقة تنظر إلى إدمان الكحول أساسًا بوصفه فشلًا أخلاقيًا. وربما كان هذا الحكم قاسيًا، لكنه كان يحافظ على قدرٍ من الإحساس بفاعلية الإنسان ومسؤوليته. وكان التعافي يعني التوبة والانضباط والإصلاح الأخلاقي.
أما الطب الحديث فقد أعاد تأطير الإدمان بوصفه مرضًا: اضطرابًا في كيمياء الدماغ وأنظمة المكافأة العصبية. وقد خفف هذا التحول من الوصمة وجعل العلاج المتعاطف ممكنًا، لكنه في الوقت نفسه جرّد الإدمان من معناه الأخلاقي؛ فأصبح التعافي أقل ارتباطًا بتحول الشخصية، وأكثر ارتباطًا بتدخل سريري ناجح.
تكشف برامج الخطوات الاثنتي عشرة عن التوتر القائم بين هذين الإطارين; فمؤسسات مثل AAAتعتمد رسميًا نموذج المرض، لكنها تعيد -في هدوء-إدخال لغة روحية. إذ يتحدث المشاركون عن قوة عليا، ويجرون مراجعات أخلاقية لأنفسهم، ويسعون إلى يقظة روحية.
وفي الواقع العملي ينجح هذا المزج لأنه يعيد شيئًا يفتقر إليه النموذج الطبي الخالص: إطارًا تفسيريًا تُفهم في ضوئه المعاناة والتعافي بوصفهما تجربتين ذواتي معنى.
ولكن تكمن المشكلة الأعمق في أن الثقافة الحديثة لم تتبنَّ بالكامل ما يترتب على ماديتها الخاصة؛ فإذا كانت المعاناة مجرد كيمياء عصبية -وإذا كان الإدمان مجرد تغير في دوائر الدماغ، والاكتئاب مجرد اختلال في توازن السيروتونين…الخ- فإن التعافي لن يكون سوى تعديل دوائي في الوظائف الحيوية.
غير أن كثيرًا من الناس يجدون هذا التفسير غير كافٍ. فحتى في هذا العصرٍ العلماني، يواصل البشر البحث عن طرق لفهم المعاناة بوصفها أكثر من مجرد خلل وظيفي».
مقتبس بالكامل مع اختصار وتصرف يسير من:
STEVEN MINTZ, How We Lost the Language of Suffering? When Modern Medicine Eased Pain, We Lost the Language that Once Helped People Endure It, MAR 16, 2026.


طرح جميل وفريد جداً💚
مقال جميل ٠٠٠