اندثار التجربة: الإنسان في عالم مفصول عن الجسد!
مدخل
يحكي الروائي السويسري ماكس فريش في روايته (الإنسان فابر Homo Faber: Ein Bericht) التي صدرت عام 1957، في حوار بين شخصياته:
«التكنولوجيا وسيلة نجعل بها العالم أسهل، بحيث لا نضطر إلى معايشته حقًا! فالتقني يسعى دائمًا إلى استخدام العالم، لأنه لا يستطيع أن يتعامل معه كشريك، ولا يعرف كيف يتقبّله كما هو. فالتكنولوجيا، طريقة لإزالة ما في العالم من صعوبة أو مقاومة، مثل تسريع كل شيء حتى لا نضطر إلى الإحساس به!».
ساق فريش هذه العبارات متشككًا، ربما لأنها لم تكن لتناسب الذوق في الخمسينيات، لكن الآن بالتأكيد تعبر عن كثير من الحقيقة.
كُتب الكثير في نقد التقنيات الأحدث وتحليلها -كما تعرف- إلى درجة الابتذال، وهي تتمحور حول الطريقة الفجّة التي تغلغلت فيها الفضاءات الرقمية داخل نسيج الواقع اليومي لملايين الأفراد في هذا العالم.
ولكني أجد نفسي ميّالًا لبعض أوجه النقد التي تقع في تقاطعات الأطروحات الظاهراتية/ الوجودية المحدّثة، وهي للأسف عادةً الأقل تداولًا، وأقصد بذلك تأثيرات الانفصال عن التجربة والخبرة والتعايش المباشر داخل نسيج الروتين اليومي، بمعنى الالتصاق بماديات الوجود والاختلاط الجسدي والحسي الفعلي مع الأشياء، والأفراد، والظواهر، وتحديدًا دلالات تحوّل الوسائط لتصبح بديلًا عن الاحتكاك أو المباشرة المادية الذي يغذي الإدراك، والاستعارة، والرغبة، والذاكرة، والتعاطف.
ومؤخرًا وقفت على كتاب المؤرخة والكاتبة الأمريكية كريستين روزن، والذي يناقش الوضع الرقمي الجديد من الزاوية التي تهمني:
وقد سعت لتجميع أفكارها بعد قلقها من انغماس أولادها في متابعة الشاشات الصغيرة، وتصف عملها بأنه «محاولة متواضعة لحثّنا على تنمية -وفي بعض الحالات استعادة- أنماط من التفكير والمعرفة والوجود في العالم، وهي أنماط شرعنا في فقدها -أو فقدناها بالفعل- نتيجة تبنّينا للتقنيات الوسيطة»، وذلك لأن «الطريقة التي نختبر بها المتعة -سواء كانت هذه المتعة في السفر، أو الطعام، أو الجنس، أو الفن، أو الموسيقى، أو الأدب- تغيّرت تغيّرًا كبيرًا خلال مدة قصيرة!».
اندثار التجربة
يحمل كتابها عنوانًا مميزًا: (اندثار التجربة: الإنسان في عالم مفصول عن الجسد Christine Rosen, The Extinction of Experience: Being Human in a Disembodied World)، ويمكن ترجمته بأسلوب آخر، ولكن هذا تعريب تقريبي.
وهي لم تبتدع هذا المصطلح، بل طرحه أولًا «في تسعينيات القرن العشرين، أعرب عالم الطبيعة روبرت مايكل بايل عن أسفه لما سمّاه «اندثار التجربة [المباشرة]»، حيث رأى هو وغيره «أن الأجيال الأصغر سنًا تعاني مما أُطلق عليه «اضطراب نقص الطبيعة»؛ إذ إن نشأتهم من دون خبرة مباشرة بالاحتكاك بالعالم الخارجي والتفاعل معه عمليًا، تجعلهم أقلّ ارتباطًا بالطبيعة، وأقلّ استعدادًا للاضطلاع بدور حمايتها في مرحلة الرشد».
ولكن روزن تذهب بالمصطلح في سياق أوسع، فهي ترى -محقةً- أن «خبراتنا المرتبطة بالمتعة، والمهارات العملية، والاعتماد على الذات، والعلاقات الإنسانية، والارتباط بالطبيعة، كلها مهدَّدة بفعل التقنيات الوسيطة… فالألفة اليومية مع العالم المادي تتراجع تدريجيًا، في حين يزداد تعلّقنا بالعوالم الرقمية. وعلى نحو متزايد، أصبح تفاعلنا مع العالم عبر المعلومات المتاحة عنه، بدلًا من الخبرة المباشرة به».
فقد أظهر استطلاع أجرته شركة Royal Caribbean للرحلات البحرية أن متوسط العائلات خلال عطلة تمتد أسبوعًا تنشر أكثر من 200 تحديث على وسائل التواصل الاجتماعي!
هيمنة الوجود الافتراضي
ترى المؤلفة أن «خبراتنا اليومية باتت تتوجّه -على نحو متزايد- بما نقوله ونفعله عبر الإنترنت. ويمكن لأي شخص يمتلك اتصالًا بالشبكة أن يطّلع في يوم واحد على قدر من الخبرات غير المباشرة يفوق ما شهدته أجيال سابقة طوال حياتها، وعلى نطاق أوسع بكثير مما أتاحه التلفاز أو السينما. فهل يُستغرب، في ضوء ذلك، أن يصبح التمييز بين ما هو واقعي وما ليس كذلك أكثر صعوبة، سواء في البيئة الرقمية أو في الحياة الواقعية؟ وبالنسبة لعدد متزايد منّا، أصبحت نسبة كبيرة من ذكرياتنا مرتبطة بخبرات حدثت عبر الإنترنت».
إفقار الرؤية
لشرح واحدة من أهم الأفكار في الكتاب، تقارن المؤلفة بين الخبرات الواقعية ونظائرها الرقمية، أي ما الفرق - مثلًا- بين تلقيك صورة صديقك في انستقرام وصورته في الواقع؟، وتجعل الفارق يشبه التمييز بين الإبصار والرؤية، فالإبصار يشير إلى قدرة العين على التقاط ما نراه، أما الرؤية فتعني نتاج معالجة الذهن للخبرة المرئية وتوجيه الإدراك للمبصرات، فالواقع الرقمي يعزّز الإبصار، كما تفعل النظارات والعدسات، لكن التقنيات الرقمية باتت تغزو مجال «الرؤية»، أي مجال تفسير الخبرة، وتحرّفها وتشوهها، بطرق شتى.
سرقة التجربة
تبدو فكرة ساذجة، أليس كذلك؟ حسنًا، لنتابع ونرَ.
تقول: «بفضل الهواتف الذكية التي أصبحت اليوم في كل مكان، نشعر وكأن بإمكاننا أن نكون في أي مكان. نستطيع أن نشاهد، بشكل غير مباشر، عددًا لا يُحصى من الأحداث، وأن نختبر -لا أن نتخيّل فحسب- حيوات الآخرين. ننغمس في محاكاة متطورة، بل ونقيم علاقات طويلة مع شخصيات افتراضية. يمكننا التجوّل عبر صور الشوارع لمنازل تبعد آلاف الأميال، والتقرّب من أعظم الأعمال الفنية في العالم بتكبيرها. لكن كيف تغيّر هذه الطرق “الوسيطة” من الإحساس بـ«التواجد» فهمَنا للتجربة؟».
أول تغيّر واضح للجميع يتمثل في أن المرء العادي أصبح يمضي وقتًا في استهلاك تجارب الآخرين بقدر ما نقضي في عيش تجاربه الخاصة!
كما تلاحظ في الاستهلاك الكثيف لمقاطع ردود الفعل كمثال، وقد أشار أحد النقّاد إلى أن «مشاهدة فيديو ردود الفعل هي طريقة لاستعادة التجربة الأولية بشكل غير مباشر».
لكنها أيضًا تمنح نوعًا من «سرقة التجربة»، حيث يشعر الناس وكأنهم كانوا «حاضرين» في اللحظة نفسها مع من يشاهدونهم على الشاشة.
تصحّر الصلات بالآخرين
ثاني التغيّرات، ما بدا أنه أصبح ظاهرة واسعة النطاق، فنحن «نصل تدريجيًا إلى مرحلة نفضّل -على نطاق واسع- التجربة الوسيطة على التفاعل المباشر وجهًا لوجه»، وتكتب منزعجة:
«نحن نكثر من إرسال الرسائل النصية ولا ننظر في عيون الآخرين. نحن غارقون في وسائل التواصل الاجتماعي، لكن مهاراتنا الاجتماعية -كاللباقة، والصبر، والتواصل البصري- تتدهور. نفتقر إلى الإحساس بالمكان، ونضيق ذرعًا بحدود الواقع المادي، سواء كانت حدود أجسادنا أو ضرورة الانتظار وربما الشعور بالملل. وبشكل متزايد، نفضّل المحاكاة على الواقع!».
وهذا التفضيل للواقع الافتراضي يعني تراجع الفعالية الحاسمة لأنماط متعددة من الإحساس المتولد أثناء اللقاء البشري الواقعي، أو تقليصها؛ فنحن نبتسم، ونضحك، ونحرك أعيننا وأجفاننا ورؤوسنا وأيدينا وسائر أعضائنا، ونجلس بطريقة معينة، ونتحدث بأسلوب محدد.
وكل هذه التفاصيل -التي لا يمكن التعبير عنها بدقة دائمًا، ولا تكون واعية بالضرورة في كل الأحوال- تتضمن الكثير من "المعرفة الضمنية" أو الحدوس العاطفية التي تسهل العلاقات الإنسانية وتقويها، وتسهم في بناء الدعم النفسي المتبادل، وغيرها من التفاصيل الحيوية الأخرى. لأننا دائمًا لدينا القدرة على «معرفة أكثر مما نستطيع قوله!»، كما كتب العلامة مايكل پولاني في وصفه لهذا النمط من «المعرفة الضمنية».
"متعة" مراكمة البيانات
ثالث التغيرات تتعلق بتبدل التعامل مع المتع اليومية والملذات الروتينية، فاتساع الانخراط مع الناس في العوالم الافتراضية يفضي إلى (١) الإيهام بالتواصل؛ فكما هو واضح «لم يسبق أن كانت متعنا الفردية بهذا القدر من المشاركة والانتشار والعرض على نطاق واسع. وبات بإمكاننا أن نشاهد، على نحو غير مباشر، أفعالًا أجرأ وأخطر، كما تشهد على ذلك مقاطع الفيديو المنتشرة على يوتيوب. وقد أتاح تدفّق الصور المتاح استهلاكًا جماعيًا للتجارب الخاصة. وهذا يولّد إحساسًا بالتواصل، لكنه تواصل زائف».
وكذلك (٢) فإن التجمهر الرقمي المزمن يصنع القوالب للأكثرية، لأن «الوساطة التقنية تُوحِّد المتعة وتجعلها أكثر امتثالًا، وكأن كل تجربة قد مرّت عبر المجموعة نفسها من المرشّحات المحدودة، وكأن الجميع يقومون بالفعل نفسه، ويصوّرونه، ويتشاركون التحدي أو المغامرة نفسها. ومع تزايد سعينا إلى نشر متعتنا ودعوة الآخرين إلى تفحّص تجاربنا، تشجّعنا المنصّات التي نستخدمها على تنقيتها وتهذيبها لتوافق توقّعات المشاهدين، فاحتفاءك بمتعتك يمرّ عبر التطبيقات والمنصّات نفسها التي يستخدمها الآخرون، ويُستهلك بالطريقة نفسها، في تدفّق دائم من لحظات منتقاة سريعة الزوال».
وهكذا «تصبح المتعة -أحيانًا بغير قصد- تجربة مصمَّمة أكثر، تُعلي من شأن التحكّم على حساب المخاطرة، والبحث على حساب المصادفة، والخوارزميات على حساب العفوية، والراحة على حساب الخصوصية. أو بعبارة أخرى: إن أعظم تحوّل طرأ على المتعة، مقارنةً بالعصور السابقة، هو استعدادنا لأن نسمح بتحوّل قدر كبير منها إلى بيانات».
ونتيجة ذلك المنطقية «العزوف عن الخبرات التي لا تُحوَّل إلى بيانات، وعدم الثقة بها، فضلًا عن قلقٍ تجاه الأشياء التي لم يوصِ بها الآخرون أو يقيّموها أو يرتّبوها. فإذا أُكلت وجبة في مطعم ولم تُكتب عنها مراجعة، أو أُنجزت عملية شراء ولم تُمنح تقييمًا، فهل نتذكّرها على نحو مختلف عن غيرها من المتع؟».
ويضاف لما سبق أيضًا (٣) الانسياق خلف أنماط المتع التي تفضلها الشبكات والشركات الرقمية الكبرى؛ «فالشاشات التي نستهلك عبرها قدرًا متزايدًا من خبراتنا الممتعة تُعلي شأن البصر والسمع على حساب اللمس والشم والذوق والمكان. وكأن العبارة التي نقولها للأطفال الفضوليين قرب الأشياء القابلة للكسر «انظر بعينيك، لا بيديك» قد أصبحت شعار المتعة في عصرنا».
والأسوأ (٤) أن المتع الرقمية مفرطة الشدة والإثارة إلى درجة التدمير أحيانًا،
وتنقل المؤلفة عن عالم الأعصاب في جامعة ستانفورد، روبرت سابولسكي، رأيه أن «الانفجارات غير الطبيعية لتجارب وأحاسيس ومتع اصطناعية شديدة تستثير رغبات غير طبيعية تدفع إلى الاعتياد»، وحين نعتاد مثل هذه «الفيضانات الاصطناعية من الشدة»، قد نُضعف قدرتنا على ملاحظة لحظات التجربة اليومية الأقل شدة -لكنها ليست أقل أهمية- تلك «الهمسات العابرة للمتعة» التي كتب عنها الشعراء والروائيون طوال قرون.
فالمتعة -وكذلك ذاكرتنا عنها- تكون أشد كثافة حين لا ترتبط بالبصر وحده، بل بالصوت والذوق والشمّ أيضًا. إنه الفرق بين أن تشعر بيد من تحب على جلدك، وأن تنظر إلى صورته العارية التي أرسلها إليك!».
ويلاحظ الفيلسوف ريتشارد كيرني أن كثيرًا من تفاعلات طلابه الجنسية تقع «بنحو غير مباشر، وبالنيابة، وغالبًا في إطار نزعة تلصصية!». ويرى أننا قد نكون بصدد دخول عصر «الانفصال عن الجسد excarnation»، حيث «ننشغل بأجسادنا بطرائق تزداد انفصالًا عنه»، فنبتعد عن أجسادنا وأجساد الآخرين من خلال ممارسات يومية من «الاغتراب الجسدي!».
فالإتاحة الإباحية الواسعة تعمل بمنطق مختلف عن الممارسة الحيّة، بسمات أخرى: وضوح زائد، إيقاع سريع، أجساد منتقاة، استجابة فورية، غياب الإحراج، غياب الفشل. فالجنسانية الرقمية تعيد تدريب الحواس على نمط مخصوص من الإثارة: إثارة سريعة، بصرية، قابلة للتبديل، قليلة المخاطرة، ومنزوعة من ثقل الحضور المادي.
ومن نتائج الإثارة الوهمية المبالغ فيها: «خيبة الأمل من الواقع reality disappointment!»، وقد أقرّ الكاتب هنري شوكمان بشعوره بخيبة أمل عندما رأى جراند كانيون لأول مرة، إذ كتب: «كان واسعًا إلى حدّ هائل، ومألوفًا إلى درجة كبيرة من كثرة ما رأيته في الصور، حتى بدا وكأنه صورة فحسب!». وقد اختبر كثير منا هذا الشعور بالفتور عند مواجهة معلمٍ سياحي نعرفه مسبقًا عبر الصور وحدها؛ ذلك الإحساس المقلق بأن الواقع الذي أمامنا يبدو، على نحو ما، أكثر تلاشيًا وأقلّ "واقعية" مما كنّا نتوقّع!».
ولذلك فإن «توسّط المتعة عبر الوسائل التقنية يعرّضنا لخطر صياغة مستقبل نقنع فيه أنفسنا بأن الافتراضي ليس مجرد بديل مقبول، بل هو بديل متفوّق، حيث «يُقبل الزائف على نحو واسع حتى يكاد الواقع يُنسى!».
تذييل
لم يكن الكتاب بمستوى العمق الذي كنت أطمح إليه، ربما بسبب عدم اختصاص المؤلفة.
وقد نبهت إلى كونها لا تعتنق مذهبًا رافضًا للتكنولوجيا، ولكن يمكننا تخفيف الآثار المكروهة لتغولها، فاندثار التجربة والخبرة الجسدية ليس حتميًا، بل هو خيار، كما تقول، «فالتقنيات الجديدة لا يلزم أن تقضي على الأساليب القديمة في إنجاز الأمور. إذ لم تؤدِّ المطبعة إلى القضاء على الكتابة اليدوية. ولا يوجد ما يبرّر الافتراض بأن تفوّق لوحة المفاتيح وشاشات اللمس على القلم والورق أمر حتمي، أو أن البرمجيات تعني نهاية الرسم باليد، أو أن تغلغل التكنولوجيا في الفصول الدراسية يستلزم إقصاء أشكال التعلّم التقليدية القائمة على التفاعل الجسدي المباشر».
وتدعو للمزيد من إدماج الجسد في تجاربنا اليومية، وتقتبس من الشاعر فيليب لاركن قوله: «إن أجسادنا تحيط بنا بقراراتها الخاصة»، وهي تحيط بنا أيضًا بفرص -للتعلّم، وللفهم، وللإحساس- على نحو لا تتيحه خبراتنا غير المباشرة القائمة على الشاشات!».


