مرحبًا.. لا زلتُ حيًّا، كما هو واضح. إذًا لنواصل!
(١)
وُلد ماكس فريش في زيورخ عام 1911، ودرس الأدب الألماني قبل أن ينتقل إلى دراسة الهندسة المعمارية. وفي عام 1942 أسس مكتبه المعماري الخاص، غير أن المستقبل كان يخبئ له مسارًا مختلفًا. كان له شغف بالكتابة، ونشر روايات وقصص ومسرحيات، ولكن عام 1954 نشر روايته الشهيرة «شتيلر» [ترجمها للعربية سمير جريس وصدرت عام 2021]، فحققت نجاحًا كبيرًا، فرأى أن الوقت قد حان لترك الهندسة المعمارية والتفرغ كليًا للأدب، فنجاح الرواية جعله غير محتاج إلى الهندسة كمصدر دخل، فقد استمرت شهرة الرواية وانتشرت حتى أصبحت أول كتاب لدى الناشر يتجاوز مليون نسخة!
بعدها بسنوات قليلة نشر روايته المميزة الثانية «هومو فابر» 1964، عن مهندس سويسري عقلاني يؤمن بالتكنولوجيا والحساب ويرفض القدر، ثم تتابع أحداث تهزه إيمانه الحسابي. توفي ماكس فريش عام 1991م.
حسنًا.. يكتب في روايته «هومو فابر» في تحليل نفاذ:
«التقنية هي فنُّ تنظيم العالم على نحوٍ لا تضطر معه إلى معايشته!
نحن نعيش في عصرٍ تُنقل إلينا فيه الأشياء في صورٍ عنها reproduction. ومعظم ما تتكوّن منه صورتنا الخاصة عن العالم لم نره قطّ بأعيننا؛ أو بالأحرى، رأيناه بأعيننا، لكن لا في موضعه نفسه: فمعرفتنا تصل إلينا من بعيد؛ نرى عن بُعد، ونسمع عن بُعد، ونعرف عن بُعد!».
ومع ذلك.. لا توجد ميزة خاصة -بالضرورة- في «معايشة» العالم، أي الاختلاط بتفاصيله اليومية وما ورائها، لستُ رومانتيكيًا في هذا الشأن؛ لأن العالم في كثير من الأحيان، أو في بعضها، يكون مؤلمًا، فملابسته لا تخلو من حملٍ ونقلٍ ومشيٍ وما إلى ذلك. ولكن في ظني أن النقد الأعمق يكمن في أن تجنّب معايشة العالم عبر التقنية له ضريبة. فحين يستبدل المرء لعب كرة القدم حقيقةً، بألعاب الفيديو مثلًا، ويستبدل صديق حقيقي بآخرين «أون لاين»، وبدلًا من حضور الملتقيات ومجالسة العلماء والأذكياء، يُكتفى بمشاهدة نتاجهم، وما شابه. نعم، هذا يقلّل الكلفة البشرية والنفسية والمادية والجسدية ويوفّرها، ويسهّل الحصول على منافع العالم. ولكن هناك شيء يُفقد في هذه اللحظة الانتقالية التي جاءت مع التقنية. ما هذا الشيء المفقود؟ ما الذي ستفقده حين تكتفي بمعايشة الحياة عبر الإنترنت دون مخالطة حقيقية بجسدك؟ فكّر ودقّق، واكتب لي رأيك، إن أحببتَ.
(٢)
توفي القديس أوغسطين عام 430م، أي قبل الهجرة النبوية بنحو 198 سنة، دقق في هذه التواريخ!
الآن، تعال، واقرأ معي ما كتبه:
«أهناك من بلاء يعانيه البشر اليوم لم يعانه آباؤنا من قبلنا؟ وأيٌّ من آلامنا يصلح حتى أن يُقارن بما نعرفه من آلامهم؟ ومع ذلك تسمع الناس يشكون من هذا الزمان الذي نعيش فيه، لأن الأحوال كانت أفضل بكثير في الأزمنة السالفة. وأتساءل ماذا سيحدث لو أمكن أن يُعادوا إلى أيام أسلافهم؛ أفلا نسمعهم مع ذلك يشكون؟ قد تظنّ أن العصور الماضية كانت طيّبة، ولكن ذلك إنما لأنك لا تعيش فيها!».
(٣)
«من الأمور التي ظللت أتساءل عنها ما إذا كان للتأثير النسوي في التعليم المدرسي، من رياض الأطفال حتى الصف الثاني عشر، آثار مدمرة؟ فمعظم أطفال المدارس في الولايات المتحدة يُعلَّمون أن تاريخ العلاقات بين الرجال والنساء على مدى آلاف السنين هو تاريخ اضطهاد الرجال للنساء. ويبدو أن كثيرًا من الناس يتعاملون مع هذا التصور بوصفه حقيقة مسلَّمًا بها، مع أنني أرى أن الأدلة عليه في الواقع ضعيفة إلى حد بعيد ومحل شك. لكن هذه مسألة أخرى. وبصرف النظر عن مدى صحة هذا التصور، كيف يمكن أن يؤثر في قرارات الشباب بشأن متى يكوّنون أسرة، وما إذا كانوا سيكوّنونها أصلًا؟».
هذه فقرة كتبها عالم نفس اجتماعي أمريكي معروف روي باومستر. وله كتب مهمة اطلعت على بعضها، منها: «الهوية: التغير الثقافي والصراع من أجل الذات».
Identity: Cultural Change and the Struggle for Self (1986)
وكتاب «المازوخية والذات»
Masochism and the Self (1989)
وقد رجعت له إبان إعدادي لكتاب (معنى الحياة في العالم الحديث)، وأفدت منه في هامش طويل.
ومنها كتاب: «هل ثمة شيء جيد في الرجال؟ كيف تزدهر الثقافات باستغلال الرجال».
وهو واحد من الكتب التي ظهرت آخر عقدين في أوروبا وأمريكا الشمالية لإعادة التوازن في تقويم موقع الرجال/الذكور من الثقافة الغربية ومكانتهم، وغالبًا تكون مدفوعة -جزئيًا- بدحض الهجاء المعتاد من التطرف النسوي ضد الرجال.
منها كتاب ديفيد بيناتار:
«التمييز الجنسي الثاني: التمييز ضد الرجال والفتيان».
وكتاب: كريستينا هوف سومرز
«الحرب على الفتيان: كيف تضرّ السياسات الخاطئة بشبابنا الذكور».
وفي الفرنسية كتاب بيغي ساستر:
«لا وجود للهيمنة الذكورية».
La domination masculine n’existe pas 2015
غلافه غير لائق.
وفي الألمانية: كتاب فالتر هولشتاين:
«ما تبقّى من الرجل: الجنس المُتجاهَل».
وفي الإسبانية: كتاب دانيال خيمينيز
«تجريد الرجل من إنسانيته: ماضي الذكور وحاضرهم ومستقبلهم».
وغيرها.
طيب، باومستر يعترض على اختزال تاريخ العلاقة بين الجنسين في قصة ساذجة: رجال يَظلِمون ونساء يُظلَمن. فهذه العلاقة، في نظره، كانت أعقد من ذلك بكثير، وقامت عبر التاريخ على التعاون والصراع وتقاسم الأدوار والمصالح المتبادلة…الخ. وهو محق في ذلك بلا شك.
وعمومًا، هذه النزعة الغبية في تبخيس الماضي وإعادة تشكيله ليكون مخزنًا حصريًا للجرائم والمظالم والدم والخرافات رصدها المؤرخ كارل ترويمان في كتابه "صعود الذات الحديثة وانتصارها"، وكتب أن «الذهنية السائدة في المجتمع الغربي على نطاقٍ واسع [لم تعد تنظر] إلى التاريخ الماضي بوصفه جديرًا بالاحترام ومصدرًا لحكمةٍ ذات شأنٍ للحاضر…
[لقد بات النظر السائد يعتبر] تاريخَ كلِّ مجتمعٍ وُجد حتى الآن هو تاريخُ صراعاتٍ طبقية. فالحرُّ والعبد، والنبيلُ والعامي، والسيّدُ والقِنّ، ورئيسُ النقابةِ والصانعُ التابع، وباختصارٍ: المُستغِلُّ والمُستغَلّ، ظلّوا في تعارضٍ دائمٍ بعضهم مع بعض، وخاضوا صراعًا متواصلًا، تارةً خفيًّا وتارةً علنيًّا، صراعًا كان ينتهي في كلِّ مرةٍ إمّا بإعادةِ تشكيلٍ ثوريٍّ للمجتمع بأسره، أو بالخرابِ المشتركِ للطبقاتِ المتنازعة.
الفكرة بسيطة: إنَّ التاريخَ هو قصةٌ طويلةٌ من الاضطهاد. وعندما يتبنّى المرءُ مثلَ هذه الرؤية، فإن فائدةَ التاريخ لا تكمن بقدر ما في كونه مصدرًا لحكمةٍ إيجابيةٍ للحاضر، بل في كونه يقدّم تحذيراتٍ من الكيفية التي يُستغَلّ بها الناس…
ويكفي هنا أن نلاحظ أن هذه الفكرة قد ترسّخت بعمقٍ في خيالنا الثقافي، حيث تُستَخدم عباراتٌ مثل "الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ" -كما حدث في النقاشات حول زواج الشواذّ- للدعوة إلى رفض الأعراف التاريخية الراسخة!».
يجد كثير من الناس أنفسهم، حينما يتقدمون في العمر قليلًا، يتخلون عن كثير من حماستهم للأفكار التي بدت لهم حديثة ومعاصرة، ويصبحون أكثر «تقليدية» و «محافظة»، وأقصد بالمحافظة أوسع معانيها أعني: طريقةُ التفكيرٍ التي تميل لتوقير الموروث وتفضيل الاستقرار.
لماذا؟
لأن خبرة الإنسان في المعيشة وفي الحياة محدودة جدًا، مهما اتسعت؛ ولذلك يحتاج غالبًا إلى ستين أو سبعين سنة حتى يراكم خبرة معتبرة ويصل إلى النتائج نفسها، أو إلى نتائج مقاربة لما توافق عليه ملايين البشر عبر القرون. ليس هذا هو السبب الوحيد، فقد تكون «محافظة» الهَرِم بسبب جبنه، أو تدهور حيوته الذهنية، وضحالة أفقه العقلي، ولكن كون ذلك نتيجة للخبرة لا يستبعد أيضًا.
وهذه الفكرة بالضبط تشكّل، في ظني، أساسًا قويًا لتقويض وثوقية كثير من الطروحات المعاصرة في مجال العلاقات والصداقات والزواجات، والعلاقات بين الجنسين، والتعامل مع الجسد وتربية الأطفال، وتطوير التعلّم، ونحو ذلك.
ولكن يبقى الأصعب في هذا النقاش: ما التوافقات والخلاصات التاريخية، على وجه التحديد، التي صقلت، كما يعبّر ديورانت، في مختبرات التاريخ على مدى قرون طويلة؟ يكتب:
«لا يستطيع رجل واحد، مهما بلغ من العبقرية وسعة الاطلاع، أن يبلغ في حياة واحدة من تمام الفهم ما يؤهله لأن يحكم بأمان على عادات مجتمعه أو مؤسساته ثم يطرحها جانبًا؛ فهذه خلاصة حكمة أجيال، تكونت بعد قرون من التجربة في مختبر التاريخ.
وقد يتساءل شاب تفور فيه الهرمونات: لِمَ لا يطلق لرغباته الجنسية كامل الحرية؟ فإذا لم تضبطه العادات أو الأخلاق أو القوانين، فقد يفسد حياته قبل أن يبلغ من النضج ما يكفي ليدرك أن الجنس نهر من نار، لا بد أن يُضبط مجراه وتُخفَّف حرارته بمئة قيد، حتى لا يلتهم في فوضاه الفرد والجماعة معًا. ومن ثم فإن المحافظ الذي يقاوم التغيير لا يقل قيمة عن الراديكالي الذي يدعو إليه، بل لعله أكثر قيمة منه بقدر ما تكون الجذور أشد حيوية من الطعوم. ومن الخير أن تجد الأفكار الجديدة من يسمعها، من أجل ذلك القليل منها الذي يصلح للاستعمال؛ ولكن من الخير أيضًا أن تُجبر هذه الأفكار على المرور في طاحونة الاعتراض والمعارضة والازدراء؛ فهذه هي محنة النار التي ينبغي للابتكارات أن تجتازها قبل أن يُسمح لها بالدخول في حياة الجنس البشري».
فالثقافات البشرية مختلفة في أديانها، وبيئاتها، ونظمها. وحينما واجهت المشكلة الإنسانية نفسها؛ كالرغبة، والعنف، والطمع، وواجهت الدوافع الروحية وغيرها؛ انتهت إلى مجموعة من المبادئ والحلول وما إلى ذلك. (واستهدت واستلهمت كثيرًا من هذه المبادئ من أنوار النبوة، وهذا مما تجهله أو تعيد تأويله كثير من الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية داخل أطر مادية أو وظيفية أو تطورية مختلفة).
فهذه الثقافات المختلفة توصلت إلى مجموعة من الحلول التي تمثلت في المؤسسات والبنى الاجتماعية المختلفة. فحينما ننظر إلى ذلك، ونجد مبدأً اجتماعيًا يتكرر عبر الزمان والمكان، وبشكل عابر للثقافات والأديان، ويبقى ويستمر، يغلب على ظني أن هذا المبدأ لم ينشأ من توافق قسري، ولا بسبب طغيان فئوي؛ لأننا نعرف من طبائع الأشياء، ومن التراكمات التاريخية أيضًا، أن التكوينات الاجتماعية والبنى البشرية المستقرة زمنًا طويلًا لا يمكن تفسيرها بالقمع المحض.
ثم إن شيوع المبادئ والأنماط الاجتماعية تاريخيًا لا يُفسَّر بمجرد المصادفة أو التوافق العارض، وإنما هو مسنود بقوة بالقيود الأساسية التي يتحرك فيها الإنسان. فالمؤسسات والبنى التي تكوّنت وتبلورت في المجتمعات المختلفة ليست مجرد موروثات ثقافية؛ بل يعود جزء أساس من رسوخها إلى استنادها إلى التكوين البيولوجي للجنس البشري.
فاختلاف الجنسين مثلًا، وتنوع تكوينهما العضوي، ومحدودية زمن الخصوبة، وقيود الحمل والولادة، والفروق النفسية والسلوكية، وما إلى ذلك؛ حينما نتأملها داخل مختبر التاريخ نجد أنها هي التي شكّلت -أو أسهمت إسهامًا بالغًا في تشكيل- جزء كبير من الموروث الثقافي والمؤسسات الاجتماعية الكبرى.
ويمكن أن أنظّم هذه الفكرة بالطريقة التالية:
بما أن معرفة الإنسان الفردية محدودة جدًا، ولا يسعه أن يستقل بتجربته الشخصية أو بمحيطه المحدود ثم يحكم منهما على أنظمة اجتماعية مركبة ومؤسسات كبرى؛ وبما أن هذه المؤسسات تحمل في بنيتها أثر تراكم طويل من المحاولات والحلول والخبرات، وأن بعض أطرها الكبرى تكرر عبر أزمنة وأمكنة وثقافات متباعدة؛ وبما أن هذه الأطر تتلاءم مع قيود ثابتة نسبيًا في تكوين الإنسان الجسدي والنفسي والاجتماعي؛ فإن اجتماع هذه القرائن يقوّي الافتراض الأولي بمعقولية البنى الاجتماعية الموروثة ومشروعيتها العميقة، لا في تفاصيلها وممارساتها الجزئية، بل في أطرها العامة، ومبادئها الكليّة.
ربما كان شرحي هنا غير وافٍ، وهي تحتاج إلى شرح مطول، أو ربما لست أنا أهلًا لشرحها كما ينبغي. ولكن إذا فهمت هذا فهمًا عميقًا؛ أقصد الدليل التاريخي والحضاري الممتد، المرتبط بالتواؤم البيولوجي والروحي للإنسان، وانعكاساته في تحديد البنى والعلاقات الاجتماعية على وجه الخصوص؛ تكون أكثر ريبةً وتوجسًا تجاه الإيديولوجيات التي تسعى للانقلاب ضد هذه البنى وأسسها الراسخة.
أرجو أن لا تجد في هذه الفكرة ما يكدرك، أو ما يستفز اعتقاداتك، فتتحمس لتقريعي، لأن لا أكتب لأقنعك بشيء، ولا لأدافع عن مظلمة، ولا لأقرّ بفساد، وإنما هو رأي أراه صوابًا، فإن أعجبك فخذ، وإن لا، فتوهم أنك لم تطالعه قط!
المعذرة، استطراد طويل.
ولم يترجم لباومستر إلى العربية بحسب علمي سوى:
Willpower: Rediscovering the Greatest Human Strength (2011)
صدر عن آفاق، بترجمة نبيل باسيليوس وجورج نبيل.
وكتاب:
The Power of Bad: How the Negativity Effect Rules Us and How We Can Rule It (2019)
نشرته مكتبة جرير كما تى بعنوان قبيح: «قوة السوء: كيف تتحكم بنا السلبية؟ وكيف يمكننا التحكم بها؟».
(٤)
الكاتب في فلسفة التقنية مايكل ساكاساس يتأمل ماذا يمكن أن يكون حين تتخلى عن الكتابة وتوكلها إلى الآلة، ويكشف عن فيمونولوجية الكتابة، آسف. "ظاهراتية الكتابة"، متحذلقة؟ فعلًا. المقصود التفكير في الكتابة لا كنصّ بل كتجربة وعي ومعايشة داخلية، وامتزاج ذهني (لم أكتبها بالذكاء الاصطناعي. أقسم!). ماذا يقول الزميل ساكاساس:
«إن جهد التعبير نفسه هو الذي يشكّل ما نفكّر فيه وما نشعر به. فالتعبير ليس إملاءً؛ وإنما يُسهم في تكوين إدراكنا للعالم.
والبحث عن كلمة ليس بحث بحت عن تسمية؛ إذ يتشابك هذا البحث مع قدرتنا ذاتها على إدراك الشيء أو الفكرة أو الشعور وفهمه. بل إنه، في الواقع، مُولِّد للفكر والشعور، وفي نهاية المطاف، للصورة التي نفهم بها أنفسنا. والتعبير هو أيضًا تأويل، ومن ثم فهو يُسهم كذلك في تكوين تجربة المعنى.
إن جهد التعبير يربطنا بتجربتنا، ويضعنا في علاقة بالآخرين. وهو يفترض دائمًا وجود الآخر، ولذلك فهو فعل أخلاقي يقوم على الصراحة والصدق والانتباه. ومع أنني أشرع في التعبير عن نفسي، جزئيًا، من أجل الآخر، فإنني بهذه الطريقة نفسها أتضح أيضًا لنفسي.
وإن جاز لي هذا التشبيه، فإن الذات تولد من خلال جهد التعبير!».
اممم. طبعًا، فقرة جميلة ولطيفة، لكن تتضمن، كالعادة، تصعيدًا مبالغًا فيه، ومنحًا للغة مكانة وجودية مسرفة، كما لا تخلو من تقليص شديد للثراء الداخلي الإنساني.
وكذلك فهو يقول إن الذات تولد من جهد التعبير، لكن جهد التعبير نفسه: من الذي قام به؟ صحيح أن هذا تشبيه، وفيه نوع من المجاز، لكنه يبدو منطويًا على تناقض داخلي؛ فجهد التعبير نفسه منبثق من ذات، ومن ثمّ لا بد من افتراض ذات سابقة على التعبير، وإلا لم يكن للتعبير نفسه معنى! ولذلك يبدو هذا التشبيه أقرب إلى زلة بلاغية لا معنى لها.
(٥)
ذكر بعضهم أن العلوم الشرعية اثنا عشر: التفسير، والحديث، والفقه، والفرائض، وأصول الفقه، وأصول الدين، والتصوف، واللغة، والنحو، والبيان، والتاريخ.
وقد نظمها العالم الشيخ أبو بكر بن يوسف السُكْتَانِي (ت ١٠٦٣هـ) في قوله:
تفقَّهْ بتفسيرِ الحديثِ مؤرِّخًا
بوقتِ بيانِ الإرثِ أصلَ المحجَّةِ
ولا تُغفِلَنْ نحوًا بضمنِ لغاته
تصوَّفْ بسرٍّ من علومِ الشريعةِ
تنلْ به مَرْقًى من مراقي أفاضلٍ
وتحظَ بنيلِ المجدِ أبلغَ مِنَّةِ
وقوله: «أصل المحجّة» يتناول الأصلين: أصول الفقه وأصول الدين.
وعلّق العلّامة الحسن بن مسعود اليوسي (١١٠٢هـ) بقوله: «أراد بها ما تعلَّق بالدين مقصدًا أو وسيلةً. وقد أغفل السيرةَ، وهي من هذا القبيل، إن لم يُدرجها في التاريخ أو في الحديث. وأغفل الحسابَ، وهو محتاجٌ إليه».
وعلى ذكر اليوسي، فقد قرأت له لطيفة حسنة، حيث كتب في معرض ذكر شيوخه، يقول:
«منهم الشيخُ الإمامُ العالمُ العلامةُ أبو بكر بن الحسن التطافي [ت١١٠٠هـ]… ووقعتْ لي فيها غريبةٌ معه، وهو أني كنتُ أجلسُ إلى جنبه، ولم يكنْ تقدَّم لي شيءٌ [من المعرفة برسالة القيرواني ومختصر خليل] ولا في غيرها، وإنما محبةُ العلم حملتني على المواظبة على المجلس، فلم أكنْ أفهمُ إلا القليل، حتى بلغنا نحو نصف الكتاب.
فاتفق لبعضِ من كان يجلسُ بين يديه من الطلبة أن خرجَ من المجلس، فجلستُ في مكانه، فمن ذلك اليوم فُتحَ لي في الفهم فتحًا ظاهرًا، وقضيتُ العجبَ من اختلاف الحالين بين المكانين، وعلمتُ أن الآدابَ المقررةَ من تحرّي الجلوس بين يدي المعلّم وغير ذلك؛ هي مجمعُ البركات، ومنبعُ الخيرات، ومطلعُ الأنوار والأسرار.
وفقنا اللهُ لالتزام الآداب بمنّه، آمين».
وهذه معنىً روحاني دقيق، لا يعرفه كثير من الطلبة في زمن "الأون لاين"؛ فمع انتشار التعليم عن بُعد في اللقاءات والمحاضرات، أو التعليم الجامعي، أو غير ذلك، تولَّد نقاشٌ حول حدود هذه التجربة، لا من حيث مشكلاتها فحسب، بل من حيث ما يكتنفها من غموضٍ يتعلق بمساوئها.
وشهدنا أيضًا احتفاء بهذا النمط من التعليم بوصفه تيسيرًا للعلم، وهذا صحيحٌ من حيث الجملة، لكن الحقيقة أن التلقّي المباشر، والمشافهة، والمجالسة، لا يمكن تعويضها. وسيبقى هناك خللٌ كبيرٌ جدًّا إذا صارت معارف الإنسان أو علمه تعتمد اعتمادًا رئيسًا على تواصُلاتٍ عن بُعد.
اعتنى عالم الاجتماع راندال كولينز، في المدخل النظري لكتابه «علم اجتماع الفلسفات» -المترجم إلى العربية في مجلدين- بشبكات الفلاسفة وسلاسل الاتصال بينهم عبر القرون، في الشرق والغرب
وذهب إلى أن التأثير الأساسي في استمرارها كان، في جوهره، مرتبطًا بالتفاعل المباشر. وهنا يستعين بأطروحة جوفمان عن طقوس التفاعل، ويتحدث عن أثر التفاعل الوجاهي، وما يمنحه من طاقةٍ شعورية ونفسية وفكرية، في استمرار الفلسفات، وتناقلها، والتنافس حول الأفكار، ونحو ذلك.
والعلماء يذكرون أن من العلوم ما لا يكاد يتكشّف إلا في مجلس الدرس، وفي حال الاجتماع. لِما جعل الله في ذلك من بركة روحانية ونورانية، لا تُقاس بكثرة الدروس، ولا بطولها، ولا بغير ذلك، كما أشار اليوسي آنفًا، وهو العلم الحاصل بالحضرة، كما يعبّر أبو إسحاق الشاطبي في جمل شريفة، يعني حضرة تنزل الرحمة في مجلس الطلب، ويقول:
«لَا بُدَّ مِنْ أَخْذِ الْعِلْمِ عَنْ أَهْلِهِ؛ فَلِذَلِكَ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُشَافَهَةُ، وَهِيَ أَنْفَعُ الطَّرِيقَيْنِ وَأَسْلَمُهُمَا؛ لِوَجْهَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: خَاصِّيَّةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ، يَشْهَدُهَا كُلُّ مَنْ زَاوَلَ الْعِلْمَ وَالْعُلَمَاءُ؛ فَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ يَقْرَؤُهَا الْمُتَعَلِّمُ فِي كِتَابٍ، وَيَحْفَظُهَا وَيُرَدِّدُهَا عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَفْهَمُهَا، فَإِذَا أَلْقَاهَا إِلَيْهِ الْمُعَلِّمُ فَهِمَهَا بَغْتَةً، وَحَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا بِالْحَضْرَةِ، وَهَذَا الْفَهْمُ يَحْصُلُ إِمَّا بِأَمْرٍ عَادِيٍّ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالٍ، وَإِيضَاحِ مَوْضِعِ إِشْكَالٍ لَمْ يَخْطُرْ لِلْمُتَعَلِّمِ بِبَالٍ، وَقَدْ يَحْصُلُ بِأَمْرٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ، وَلَكِنْ بأمر يهبه الله للمتعلم عِنْدَ مُثُولِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعَلِّمِ، ظَاهِرَ الْفَقْرِ بَادِيَ الْحَاجَةِ إِلَى مَا يُلْقَى إِلَيْهِ… [فـ]يُفتح لِلْمُتَعَلِّمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَا لَا يُفْتَحُ لَهُ دُونَهُمْ».
وكذلك فإن في المجالس المباشرة إخضاعًا للجسد، وقصرًا للنفس على الانتباه، وقِلَّةً في المشتِّتات، وجلالةً في المجلس إذا كان في المسجد مثلًا، أو رصانةً إذا كان في مجالس العلم، سواء في الجامعات أو في غيرها. وفيها تفرُّغٌ للذهن، واجتماعٌ للقلب، أو هي على الأقل مَظِنَّةٌ لذلك.
ولا تَستهِن بتأثير إخضاع الجسد لجلوسٍ وهيئةٍ بعينها؛ فإن اعتياد ضبط هيئة الجسد على حالٍ من السكون والاعتدال ينعكس في الباطن، وهذا مما يُعرَف ويُشاهَد ويُدرَك بالحدس والذوق والتجربة.
والله أعلى وأعلم.
أقف هنا.. وأواصل لاحقًا..
إن بقيت فوق الأرض.
رحمني الله وإياك!









أحسن الله إليكم أستاذ عبدالله ونفع بك وبقلمك أينما حللت.
مقال غزير متين ، طاف بنا بين ميادين عديدة .
أكثر ما يشد في هذا الطرح هو وضع اليد على ثمن التسهيل الذي نمارسه في حياتنا و كيف أن إنسانيتنا اليوم تدفع أجره؛ فالتقنية وإن وفرت الكلفة، إلا أنها سلبَتْنا بركة المعايشة، وإخضاع الجسد، وحرارة التفاعل المباشر..
وكذا لفتتك الموفقة في تفكيك النزعة الحديثة التي تُحاكم التاريخ بسطحية وتختزله في قصة صراع، مغفلة ما صُقل فيه من بنى ومؤسسات اتسقت مع فطرة الإنسان وبيولوجيته واستلهمت من أنوار النبوة.
و كما لا يخفى على طرح حضرتكم فالختام كان مسك بالنقل عن الأكابر ليعيد للذهن أصل علومنا وبركة الحضرة والمجالسة التي لا تُعوض برحيقها أعتى الشاشات الحديثة..
لا أملك ما أقول بعد أن عشت مع هذه السطور، فحلي من هذا الاحتطاب أن يبقيني كسنجابة راضية إلى حين أن تجود علينا بالمزيد مستقبلا ')
بارك الله في عمرك وفكرك، ورحمنا الله وإياك، وجزاك عنا خير الجهد ونفعه.
أحسن الله إليكم يا أستاذنا ولا عدمنا مختاراتكم ومنتخباتكم :)
بالنسبة للسؤال الوارد في النص الأول (مقالة ماكس فريش) فإني أرى - بعد بعض تأمُّل وتفكير - أنَّ أكثر ما افتقدناه بعيشنا في العالم الرقمي هو فقدان الاحتكاك بالعالم الحقيقي. وهو أنَّنا عند الخروج إلى العالم الخارجي فإنّنا نخضع لسلطان الزمان والمكان للجلسة نفسها، عدا عن الأشخاص الذين نقابلهم والمواصلات التي نستعملها والشارع وغير ذلك؛ وهو ما يجعل التجربة أرسخَ في النفس.
أذكر أنّ بعض الندوات والجلسات الوجاهية التي حضرتُها بنفسي قد أبقت فيَّ شيئًا ما جعلني جزءًا أصيلًا من التجربة ذاتها؛ وهو ما فشلتْ فيه مئات الساعات - إن لم تكن الآلاف منها - التي شاهدتها على الشبكة.
أذكر أنَّ الشيخ العجيري حفظه الله جاءنا إلى الأردن سنة 2016 أو 2017 وألقى مجلسًا مطوَّلًا لأكثر من أربع ساعات عن «الداروينيَّة»، وقد تركت أثرًا في نفسي وعمَّقتِ الأفكار التي طرحها والأسئلة والنقاشات التي كان يُجريها بالافتراض ما لم تتركْه محاضرته على اليوتيوب التي شاهدتها بعد ذلك مرتين أو ثلاث مرات.
لا أدري إن كان هذا هو الجواب الذي خبَّأتَه في نفسك إذ سألتَنا؛ فإن لم يكن فإنّي أحبُّ أن أسمعه منك.
شكرًا لكم أستاذنا الكريم