«نشأت البشرية حول النار… وفي الهواء الطلق تحفِّز النار جميع الحواس: بلهيبها الراقص، وفرقعتها، ووهجها الدافئ، ورائحتها النفاذة الشبيهة برائحة الزيت والمعدن الحار. فالتحلُّق حول النار يربط المجموعة معًا، ويساهم في خفض ضغط الدم، وجعل الحديث أكثر هدوءًا وحميمية!».
هذا فقرة للأستاذ بيورن بيرجيه، وجلبتها هنا لسبب واضح، لأني أحتطب كما أخبرتك! وأرجو أن تكون هذه السلسلة مما «يحفّز» حواسّك على الخير والحق والجمال.
قبل المضي قدمًا، إن لم تطالع الجزء الأول والجزء الثاني من هذه السلسلة؛ فاعلم أنك… ماذا؟ شيطانك قد منعك؟ ربما… من يدري!
(١)
كتب المؤرخ ول ديورانت في "دروس من التاريخ":
«علينا أن نذكّر أنفسنا بأن التاريخ كما يُكتب عادةً؛ يختلف اختلافًا كبيرًا عن التاريخ كما يُعاش عادةً؛ فالمؤرخ يسجّل الاستثنائي لأنه مثير للاهتمام؛ لأنه استثنائي. ولو أن أولئك الأفراد جميعًا، الذين لم يكن لهم بوزويل، وجدوا في صفحات المؤرخين مكانًا يتناسب مع كثرتهم العددية، لكانت لدينا صورة للماضي وللإنسان أقل إثارة، لكنها أعدل».
هذه إشارة شديدة الأهمية؛ لأن غالب الذين يقرؤون التاريخ إنما يبنون تصوّرهم على اعتبار الوقائع والأحداث الموجودة في التاريخ المكتوب شاملة للواقع القديم. وينقصهم الوعي بدوافع الكتابة والمؤثرات المتنوعة التي تحوّل المحكيات الشفهية إلى صفحات الكتب.
ففي الأزمنة المتقدمة مثلًا، في القرون الأولى، بل حتى قبل الإسلام، ثم في بدايات الإسلام وما تلاها، كانت الكتابة قليلة، وكان عدد الكتّاب قليلًا جدًا. ومن ثمّ لم يكن الشيء يتحول إلى مكتوب إلا إذا كان وراءه دافع حقيقي، أو قوي، أو موضوعي. ولذلك ينبغي لكل قارئ أن يدقق في لحظة الانتقال هذه: ما الذي دفع المؤرخ أو الأديب أو العالم في القرن الأول، أو الثالث، أو الخامس، وربما حتى ما قبل الطباعة، إلى أن يحوّل هذا الخبر أو هذه الواقعة من تداولها الشفهي المعتاد والطبيعي إلى أن يضعها في كتاب؟ نعم، لم يكن توفر الورق وانتشار الأحبار بنفس المستوى دومًا، ولكن كانت القلة سمة سائدة نسبيًا.
حسنًا، هذا الكلام يبدو نظريًا، وقد لا يُعترض عليه، ولكن لننزل إلى بعض التفاصيل. لنذكر مثلًا كثيرًا من الوقائع التي تُنقل عن مجالس الخلفاء في التراث العربي يساء فهمها؛ فحين يقال في الكتب: إن شاعرًا فلانيًا أتى الخليفة فأنشده، فأعطاه ألف دينار، يكون من المشكوك فيه أن يأتي بعض المتأخرين فيختزلوا الدوافع الشعرية، مثلًا، في طلب المال، لماذا؟ لأن هذا لم ينقل (غالبًا) إلا لغرابته أو استثنائيته أو ندرته أو فرداته، لا لكونه هو التصرف اليومي للخليفة!
ولو كانت العطيات الضخمة للشعراء هي السائد واليومي لما كتبها المؤرخون أصلًا. ذلك أن المؤرخ، أو الذي كان يكتب في تلك المرحلة، إنما يريد أن يدوّن الغريب والأخبار المعجبة والحكايات المستحسنة، ولا ينقل كل ما يقع ولا أكثره؛ لا بسبب شح الورق وحده، كما ذكرت، وإنما أيضًا لأن العادي لو كُتب لم يلتفت إليه أحد، فالنفوس لا تشرئب إلى المألوف اليومي، ولا تستجلب الأنظار بالروتيني المعتاد الذي اسودّ من طول ما لابس الأسماع ولاقى الأبصار. وإنما يُكتب ما يُستملح، أو بالتعبير الإنجليزي «ما لا يحدث كل يوم!».
وجه آخر لهذه المشكلة: تجد مثلًا عند الحديث عن الصلحاء والزهاد والعارفين وما إلى ذلك، إنما تكون الحكايات عن الذين كانوا يصلّون الفجر بوضوء العشاء سنين طوالًا. ونحوها عن وجوه التعبد النادرة، وطول الصلاة العجيب، وكثرة قراءة القرآن العظيمة ونحو ذلك، ولا تكاد تجد حكاية أن صالحًا تصدق بفلس، ولا عابدًا قرأ جزءًا أو جزأين في أسبوع، ولا زاهدًا لبس الصوف ساعة ثم خلعه. فلا يحكى إلا العجيب الخارج عن العادة (في الجملة. حتى لا يعترض متحذلق).
وحين تتدبر هذا وتقيس وتقارن، تظهر المشكلة بصورة أوضح، عند المقارنة التاريخية. فحين تقارن الاستثناءات التاريخية بالمعتاد أو العادي المعاصر؛ تقع في الجهل والعماية. أما إذا أردت أن تكون موضوعيًا وعادلًا، فقارن مثلًا الشخصيات الاستثنائية في الماضي بالشخصيات الاستثنائية في الحاضر. نعم، بالتأكيد لن تكون المقارنة في صالحنا نحن المعاصرين، لكنها ستكون أعدل من أن تقارن طبقة الزهاد مثلًا، أو طبقة العلماء، أو أي طبقة نخبوية في فن أو علم أو صنعة، بعامة الناس في زماننا. لا في العلميات ولا في العمليات.
وهذا قد يكون واضحًا أحيانًا في بعض الخطابات الوعظية غير السديدة، التي تحاول أن تأخذ الاستثنائيات التاريخية في التعبدات والاستقامة الدينية، وتجعلها وسيلةً للحث والوعظ. نعم، أصل هذا التصرف مشروع بلا شك، وقد كان يفعله أهل الصلاح وأهل الوعظ والفضيلة والخير في كل زمان، ولكن الإسراف فيه قد لا يفضي إلى خير، وقد تكون له آثار قبيحة في نفس الواعظ وفي نفس الموعوظ.
أما الواعظ، فحين يكثر تعاطيه لهذه الاستثنائيات والغرائب الهائلة (سواء كان ممن يطبقها أو يحاول السير على منهاجها، وهذا نادر، أو كان ينقلها بنية الخير والنصح والتذكير) فقد يقع في نفسه احتقار الموعوظين؛ لأنه يحاكم أحوال العاديين إلى سير الاستثنائيين، وينظر إلى العامة بعيون خاصة الخاصة من الصلحاء، فيقع في نفسه شيء من احتقار الناس، وهذا من أعظم النقائص القلبية؛ «فربما كان المُحتقَرُ أطهرَ قلبًا، وأزكى عملًا، وأخلصَ نيّةً؛ وإنَّ احتقارَ عبادِ الله يورثُ الخسرانَ، ويورثُ الذلَّ والهوانَ»، كما يقول الزين عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١هـ) رحمه الله.
أما الموعوظ، فإذا رأى البون الشاسع والفرق الواسع بين هذه السير وبين حاله، فقد يقع في نفسه الإحباط، وربما ينخذل عن المضي في هذا الطريق. واللازم والأصوب والأحرى هو الاعتدال في هذا الشأن.
وعلى كل حال، يكاد يتعذر على إنسان زماننا أن يكوّن صورة مكتملة واضحة المعالم لأزمنة سابقة، لأن معظم وقائع تلك الأزمنة لم تصلنا أساسًا، وإنما وصلتنا منها شذرات ونُتف وحكايات، هذا من جهة. ومن جهة ثانية، فإن هذه الشذرات كثيرة جدًا ومتنوعة، وأحيانًا متناقضة، وشديدة الاتساع، بحيث يستحيل على الإنسان الواحد أن يجمع كل هذا المحتوى التاريخي وينظمه في صورة واحدة.
ولذلك شنّع بعضهم على بعض أدباء والكتّاب في القرن الماضي، الذين حاولوا أن يرسموا صورًا تاريخية للقرون القديمة اعتمادًا على الكتب الأدبية والتاريخية. والحقيقة أن بعض هذا النقد ليس بالقوي. أقصد أن نقد محاولة تكوين صورة للعصر العباسي مثلًا، أو العصر الأموي، بالطعن في المصادر المنقولة، ككتاب «الأغاني» للأصفهاني وغيره، طعنٌ في ظني غير سديد، أو لا يخلو من ضعف في بعض حججه.
وفوق كون «الأغاني» مصدرًا تاريخيًا وأدبيًا عظيم الشأن بلا ريب، فإن أوجه الاستفادة من مثل هذه الكتب كثيرة، وهي أبعد وأعمق من مجرد الاستدلال بظواهر الحكايات والوقائع؛ ولا سيما أن مثل هذا الكتاب يسرد مئات، وربما آلاف، الحكايات المختلفة التي لا يمكن أن تكون كلها مختلقة أو كلها موضوعة. وحتى لو كان بعضها مختلقًا، فقد يصبح هذا الاختلاق نفسه مادةً ذات دلالة تاريخية في بعض المواضع؛ أي يمكن أن يكون طريقًا لفهم بعض الجوانب الاجتماعية، لأن الواضع والمختلق لا يضع عادةً ما يناقض حقائق الحياة اليومية مناقضةً تامة، وإلا لردّه الناس ولم يقبلوه. وإنما يختلق الأديب ما يُستملح مما يتناسب -في الجملة- مع حسّ الناس العام ومع ما يعرفونه من أحوال الحياة.
ولا تظننّ -وقاك الله- أن القدماء كانوا بلا عقول أو أفهام فتنطلي عليهم مثل هذه الحكايات، أو أنهم لا يستملحون إلا الخرافات. نعم، هذا لا ينطبق بالضرورة على كل الحكايات؛ فقد يكون في بعضها ما يخالف العقل أو الحس، وقد يُستملح مع غرابته، ولكن ليس هذا هو الغالب.
فإن غالب ما يُظن أنه غير موثوق، أو لم يُتحقق من ثبوته، سواء في المصادر الأدبية أو غيرها، قد يكشف مع ذلك عن واقع اجتماعي، أو بالأدق، عن أحوال طبقات بعينها، ووقائع جرت في أزمنة وأمكنة مخصوصة.
أما محاولة تطهير التراث (تلك الرغبة الغامضة في محو كل ما يتعارض مع الصورة المثالية التي يفترضها المرء)، فليست بسديدة، ولا هي متسقة مع المصادر ولا مع النظر التاريخي الموضوعي، ولا هي مطلوبة شرعًا أساسًا، ولا ضرورة أخلاقية بحال. اممم. هذا يكفي.
(٢)
في الاقتباس السابق جرى ذكر بوزويل، وتركت بيانه عمدًا. من هو؟ جيمس بوزويل (ت 1795م) كاتب أسكتلندي اشتهر بكتابه عن سيرة اللغوي والأديب والناقد صمويل جونسون (ت 1784م)، وهذه صورة الطبعة الأولى، وقد صدرت سنة ١٧٩١:
وهو من أوائل كتب السيرة الحديثة وأشهرها، إذ كان يدوّن كلام جونسون وحواراته، وما يجري في مجالسه، وتفاصيل كثيرة من حياته اليومية، وهذا كما قيل هو الذي أعطى الكتاب تميزه، وجعل جونسون يظهر فيه إنسانًا حيّا تكاد تراه بعينيك، وليس نقلًا محضًا للوقائع والأحداث.
وفي الكتاب نقل قول جونسون:
«إن كتاب 'تشريح الكآبة' لبرتون، هو الكتاب الوحيد الذي جعله يقوم من فراشه قبل الموعد الذي أراد أن يستيقظ فيه بساعتين!».
والعجيب أن هذا الكتاب لم يترجم للعربية، وكذلك كتاب بوزويل عن جونسون (وقد سبق اقترحته لدور نشر، وترجمته أولى من طوفان ترجمة الروايات الرقيعة). ربما السبب يعود لحجمهما، فهي كتب ضخمة: كتاب بوزويل يقارب ١٤٠٠ صفحة، وكتاب برتون يقارب ١١٠٠ صفحة. ومع ذلك دور النشر تترجم وتطبع روايات ضخمة (عندي نظرية متطرفة تقول: إذا تجاوزت الرواية ٤٠٠ صفحة ينبغي أن تحرق لا تقرأ ولا تترجم!).
(٣)
(الأفضل ألا نكون قد وُجدنا: ضرر المجيء إلى الوجود) هذا هو عنوان كتاب الفيلسوف ديفيد بناتار، وهو واضح من عنوانه، كان الإهداء في مطلعه جميلًا:
«إلى والديَّ،
مع أنهما كانا سبب مجيئي إلى الوجود؛
وإلى إخوتي،
فمع أن وجود كل واحدٍ منهم ضررٌ له،
فهو نفعٌ عظيمٌ لنا نحن الباقين!».
(٤)
قال أبو زكريا رحمه الله تعالى:
«إِنَّ الرَّجُلَ يَتَلَذَّذُ فِي الْجَنَّةِ بِقَدْرِ عَقْلِهِ»
رواه ابن أبي الدنيا، وابن الجوزي في «الأذكياء».
(٥)
كتب بيرم كرسو:
«رَوَى لي والدي مرّةً قصّةً طريفة. كان سارتر مشهورًا بمغازلة النساء وكثرة علاقاته بهنّ، وقد عاش شبابه كلَّه مولعًا بهنّ. وكان اهتمامه بالنساء حاضرًا في معظم ما يفعل، حتى في نشاطه الفكري وكتاباته الكثيرة. فحين تُعرَض عليه دعوةٌ إلى إلقاء محاضرة، لم يكن قبوله أو رفضه يتوقّف على ما إذا كان الجمهور سيحفّزه فكريًّا، ولا على مقدار الأجر، بل على ما إذا كان معظم الحضور من النساء، وبخاصّةٍ ما إذا كان تنظيم المناسبة يتيح له الاختلاط بهنّ قبل المحاضرة أو بعدها، على أمل أن يتمكّن من إغواء واحدة أو اثنتين. ومع أنّه لم يكن وسيمًا، فقد كانت نساءٌ كثيرات يستجبن له، وخاض علاقاتٍ عديدة. ولم يكفّ قطّ عن ملاحقة النساء. وكان يشعر بأنّه غير جديرٍ بالحبّ ما لم تُبادله آخر امرأةٍ يرغب فيها الحبّ. لذلك عاش في سعيٍ دائم وراء النساء، يسبقه القلق وينتهي غالبًا إلى الاكتئاب، مهما تكن النتيجة. ومع تقدّمه في السنّ، ازداد انشغاله بمدى جاذبيّته للنساء. وذات يومٍ في باريس، صعد إلى حافلةٍ مزدحمة، فرأى شابّةً تجلس في مقدّمتها. فأخذ يشقّ طريقه نحوها بين الركّاب. وحين وقعت عيناها عليه للحظة، ظنّ في نظرتها ما يشجّعه، فواصل التقدّم مزاحمًا من حوله حتى بلغها. وما إن وقف إلى جوارها حتى نهضت الشابّة من مقعدها… وأفسحته له!».
(٦)
عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ: أنَّهما سمعا رسولَ الله ﷺ يقول: {ما يُصيبُ المؤمنَ، ومن وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حُزنٍ، حتى الهمُّ يَهُمُّه، إلا كُفّر به من سيئاته}.
يعلّق ابن هبيرة رحمه الله:
«لما كانت الدنيا عند الله ليست رضًى منه لعباده المؤمنين مقرًّا له دائمًا، وكانت حكمتُه أن يُخرجَهم عن هذا المقرِّ الأدنى إلى مقرٍّ أعلى؛ فأحلَّ بهم سبحانه من المزعجات ما يُنفِّرهم عنه ويُزعجهم منه، وكان من لطفه بهم أن لا يَعرِضَ لهم الألمُ إلا بثوابٍ وثمنٍ هو تكفيرُ السيئات عنهم، فجمع لهم بين تكفيرِ الخطايا، والإزعاجِ عن هذا المقرِّ الأدنى، والارتياحِ للخروج منه إلى دارِ المقامة».
(٧)
خوان خوسيه ميّاس هو الروائي الذي أشعر أني لو كنت روائيًا سأكون نسخة عربية منه لتناسب مزاجه الكتابي مع مزاجي!، كتب: «فكرتُ أنَّ كلَّ واحدٍ منا يحمل في داخله «شيءٌ لَمْ!»، بمعنى: شيء لم يحدث له، ومع ذلك يمثّل أهميةً في حياته أكبر من «شَيءٌ نَعَم»، أي: ما حدث بالفعل. ثمَّة أناسٌ يخلصون بشكلٍ غامض لـ «شيء لم» ويتخلّون عن «شيء نعم»… كلُّ واحدٍ منا لديه جرحٌ ينضح بسبب «الشيء لم»، حتى أنَّ «الشيء نعم» مهما كان عظيمًا لا يداويه!».
(٨)
وجّه إليّ الأستاذ مونتسكيو قدحًا واضحًا، حين كتب: «ليس في المؤلفين قطّ أولى بازدرائي من الجمّاعين، الذين يأخذون من هنا وهناك مِزَقًا من كتبِ غيرهم، ويُضمّنونها كتبهم كقطع من العشب في روضة، وليسوا في عملهم هذا أفضل من عمّال المطبعة يرتّبون الحروف ويصفّونها، ثم يطبعون كتابًا لم يبذلوا فيه إلا عملًا يدويًا. ولهذا أريد ألا يحترم الناس إلا الكتب الأصيلة المبتكرة!». لماذا هذه القسوة أيها العلج!
(٩)
اعتدتُ منذ بضع سنوات أن لا انفكّ عن مطالعة متن من متون العربية من حين لآخر، أعني كتب المعاجم خاصةً كلسان العرب وغيره، أو كتب الأدب القديم، لأغراض شتى. وأعظم أغراضي مقاومة العجمة الطاغية على ما نطالعه معظم أيامنا هذه، وصون الذائقة العربية ما أمكن! وكان مما قرأتُ ما نقله علي بن إسماعيل بن سيده (ت ٤٥٨هـ) عن حبوب الشباب، قال:«إِذا ظَهَر البَثْرُ الَّذِي يَبْدو بِوَجْهِهِ [أي اليافع] بعدَما يَحْتَلِمُ… [يقال:] خَرَج بِوَجْهِهِ تَفَاطِيرُ. قَالَ أَبُو عَليّ [الفارسي]: نَفاطِيرُ بالنُّون، وَلَا واحدَ للنَّفاطِير، وَكَذَلِكَ التَّفاطِيرِ -فِيمَن رَوَاهَا بِالتَّاءِ- لَا وَاحِد لَهَا وَلَا نَظِير لَهَا؛ إِلَّا ثَلَاثَة أحرفٍ فِي عدم الْوَاحِد مِمَّا جَاءَ على بنائها: تَعاشِيبُ الأرضِ، وتَعاجِيبُ الدَّهرِ وتَباشير الصَّباح».
وكذلك لفت انتباهي تعبير العرب عن بدايات ظهور الشارب، يقولون: «شَوَّكَ شاربُ الغُلامِ، إِذا خَشُنَ لَمْسُه». جميل!
هذه حصيلة اليوم.. لعله كانت مفيدة أو ماتعة.. أخبرني في التعليقات ماذا لفت انتباهك دون غيره، وما تحبه أكثر في هذه المحتطبات.
شكرًا لأكثر من ٣٠٠٠ قارئ وقارئة !
إلى الجزء التالي إن بقيت حيًّا..
ﷺ



يا الله ما أحسنها من بشرى لقلوبنا رؤية غيث جديد من الفائدة منكم أستاذي الكريم..
أحسن الله إليك وبارك في قلمك وحصيلة احتطابك الماتعة.
أكثر ما حرك التأمل في هذا الجزء كما تفضلت بالسؤال هو تلك التفريقة المنهجية البالغة الأهمية في قراءة التاريخ..
فإن غفلة القارئ عن كون المدون إنما نُقل لغرابته لا لكونه النمط اليومي السائد هي التي أورثت محاكمة واقع الناس اليوم بسير الاستثنائيين عبر القرون.. فصنعة التأريخ وجدت ليسجل "الاستثنائي الغريب" لا "الروتيني المعتاد" ، فجمعت بين إحباط السالك واحتقار الخلق، وهو فخ معرفي ونفسي شديد الخفاء.
وكذلك جاء التوقف عند حسرة الفقد ليتمازج عميقاً مع فقه النفس؛ فالحسرة على ما لم يحدث قد تترك جرحاً غائراً لا يداويه كثرة ما نلناه، وهنا يتبدى النور في وصية النبي ﷺ الجامعة: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا...»؛ لتقطع الشريعة نزيف "الشيء لَمْ" بالرضا والتسليم والاستعانة بالله و ما لنا كعباد إلا هو بعيداً عن تخبط الغرب في هذا الميدان ..
أما وقوفكم مع متون اللغة ومقاومة العجمة، فهو تذكيرٌ أصل بـأن صون السليقة الذوقية هو خط الدفاع الأول عن الفهم الصحيح.. و قبلا كان ينصحنا معلمنا في اللغة العربية بهذا لما شاهد من إهمال للغة البيان و إهتمام بالأجنبية حصرا لمواكبة يعني الموضة .
متون الأدب و اللغة ليست ترف أو تكديس للمعلومات بل أجدها مصل و إستشفاء فاللسان هو قالب الفكر.. فمتى استقامت أساليب اللسان و صفت مفرداته من شوائب .. صح الفكر و دقّ الفهم.
أسأل الله العظيم أن يرزقكم بسطة في العلم والجسم، ويبارك لكم في فهمكم وصحتكم ووقتكم ، و يزيدكم من فضله علمًا وحكمةً وقوة، ويجعل ما تحرصون عليه عونًا لكم على نيل رضاه سبحانه ونفع عباده.
اقتباسات ممتعة
أكثر ما أعجبني هو الاقتباس الذي يذكر بفطرية حسرة الإنسان على مالم يتحقق له " شيء لم"
وذكرني بهذا الاقتباس:
«هل هناك نسخة من الحياة لا تشعر فيها أن شيئًا ما مفقود؟ هناك دائمًا شعور بالفقْد؛ لأنه ببساطة شعور صحیح. کل اختیار في الحياة يستبعد خيارات أخرى، الأمر بهذه البساطة؛ لا يمكن مراوغة الفقد.. الحياة فقْد متتالٍ وامتلاك مؤقت»