كان آخر مؤلفات باسكال بروكنر يحمل عنوانًا لافتًا: «أنا أتألم إذن أنا موجود: صورة الضحية في هيئة البطل» (2024)، والذي يسعى فيه إلى تحليل نقد «ثقافة الضحية victimisation» في الغرب المعاصر، ومن تأثر بها.
Pascal Bruckner, Je souffre donc je suis: Portrait de la victime en héros. Paris: Bernard Grasset, 2024.
وقد ترددتُ قبل الإشارة إلى هذا الكتاب، مع اهتمامي بمؤلفات بروكنر؛ فقد تُرجم له إلى العربية «بؤس الرفاهية»، وهو كتاب جيد. ولكن سبب ترددي هو ما ظهر في هذا الكتاب من مواقف الكاتب الأيديولوجية الدميمة، والانحطاط الأخلاقي في مواقفه العنصرية البغيضة تجاه الإسلام والمسلمين، فهو يتحدث بوضوح كأي أوروبي يشعر بالتفوق الأخلاقي والفكري على المسلمين "المتخلفين"، ولذلك يتعامى عن جرائم الصهاينة بطريقة مفزعة، ويحاول تلطيف واقع الاحتلال. نعم، تقززت من مواضع كثيرة في الكتاب، ولكن لو كلما تقززنا من كاتب رمينا بضاعته، فاتنا الشيء الكثير. الآن ربما يثنيك ذلك عن مواصلة القراءة، لا بأس، أنت وشأنك، ولكن إذا كنت تريد المواصلة فستجد جملة من الالتقاطات المفيدة والملاحظات الناقدة المتبصّرة. وعموم ما ستقرأ هو بحروف بروكنر، لم أتدخل فيها إلا بالاختصار الطفيف، أو الحذف الذي لا يؤثر ، وأشير له بالنقاط الثلاث.
**
«لماذا تزدهر ثقافة الضحية إلى هذا الحد؟
لقد أصبحت المعاناة، على نحوٍ مفارق، في الغرب الذي يجعل اللذة غايته، مقدَّسًا جديدًا يُصيب الناس بالذهول. ففي الماضي كانت من نصيب الشرط الإنساني، أما اليوم فقد غدت جوازَ مرورٍ يشهره المرء ليؤثر في معاصريه. فهي تمنحه هويةً مستعارة، وتحوِّله إلى كائن استثنائي يستطيع أن يفرض نفسه في الساحة العامة بكلفة زهيدة. تلك هي رسالة عصرنا: أنتم جميعًا محرومون، ومن حقكم أن ترثوا لأنفسكم. والحلم الأسمى أن يصبح المرء شهيدًا من غير أن يكون قد عانى من شيء سوى شقاء أن يكون قد وُلد».
**
«كانت المسيحية ترى في المعاناة طريقًا إلى الخلاص، أما القانون الحديث فيرى فيها موجبًا لجبر الضرر. واليوم، صار الخلاص من نصيب من ينجح في أن يُعترف به ضحية. وكان الرومانسيون قد ابتدعوا التفاخر بالألم في مواجهة رضا البرجوازي وقناعته. يقول موسيه: «أجمل الأناشيد أكثرها يأسًا». ولأن البرجوازي هو، في نظرهم، الإنسان الراضي بامتياز، فإن إظهار البؤس كان فعل تمرد على مجتمع ممقوت. ولم يكن يُرى الجمال إلا في عذاب النفس، فهو وحده القادر على إلهام الأعمال الكبرى. وويلٌ لمن لم يذق لوعة الحب أو المرض، فلن يبدع شيئًا عظيمًا. أما اليوم، فقد ابتعدنا كثيرًا عن تلك الأرستقراطية المتأنقة في إظهار الجراح. فإذا كشف المرء عن جراحه على الملأ، فإنما يفعل ذلك ليجني منها مكسبًا رمزيًا بقدر ما يجني مكسبًا ماديًا».
**
«في الماضي، كان الشعراء والفنانون والرسامون تباغتهم ومضة من الروعة الإلهية أو من الجمال. هكذا اهتدى بول كلوديل إلى الإيمان يوم 25 ديسمبر 1886، وهو في الثامنة عشرة، داخل كاتدرائية نوتردام في باريس: «في لحظة واحدة لامس الإيمان قلبي، فآمنت». أما اليوم، فقد يستيقظ المرء ذات صباح، وكأن وحيًا هبط عليه، ليقول: أنا أيضًا ضحية. ومن هم جلادوه؟ الرأسمالية؟ أسرته؟ البرجوازية؟ النظام الأبوي؟ النظام؟ لا ينقصه من يحمّلهم المسؤولية؛ فالقائمة طويلة، ويمكن أن تتبدل الأسماء أو تتراكم. بل إن بعض الناس يرضون بأن يكونوا مانعات صواعق تمتص قلق الآخرين.
فالوعود التي تغرينا بها الحياة كثيرًا ما تخيب. لا أحصل أبدًا على ما أستحقه من تقدير أو مكافأة. لقد خُلقتُ لمصير عظيم، وكان ينبغي أن أبلغ أعلى المناصب. لكن مسيرتي تراوح مكانها، وحياتي العاطفية قاحلة. لا أحد يعرف قيمتي الحقيقية. وإذا نجحتُ، فالفضل لي وحدي؛ وإذا أخفقتُ، فالذنب ذنب الآخرين.
حتى أصحاب الملايين والألقاب دخلوا هذا السباق. فمذكرات الأمير هاري، دوق ساسكس (2023) ليست إلا سيلًا من التذمر الأرستقراطي، ومع ذلك أصبحت من أكثر الكتب مبيعًا في العالم. وكأن الأمير الصغير وزوجته ميغان بطلا رواية «البؤساء» فمع ثروتهما وحياة الرفاه التي يعيشانها، يقدمان نفسيهما كما لو أنهما ذاقا صنوف العذاب!
وتروي الروائية الإسرائيلية زرويا شاليف أنها كانت، حين عملت أخصائية اجتماعية في الجيش الإسرائيلي، تعاني ما تسميه «داء الدموع»؛ فما إن يسترسل أحد الجنود في الحديث عن معاناته حتى تنهمر دموعها!».
**
يستغل الدجاجلة هذا المزاج الثقافي لأغراضهم الهابطة:
«في سنة 1995، نشر رجل يُدعى بنجامين فيلكوميرسكي، وهو موسيقي وصانع آلات موسيقية سويسري، كتابًا بالألمانية عنوانه «شذرات: طفولة، 1939-1948»، روى فيه طفولته في بولندا إبان الاحتلال النازي، وزعم أنه أُودع معتقلي مايدانيك وأوشفيتز. وقد قوبل الكتاب بحفاوة كبيرة، وتُرجم إلى ثلاث عشرة لغة، وأفردت له لوموند ونيويورك تايمز والغارديان مقالات ثناء، كما دعته منظمات يهودية إلى إلقاء محاضرات في أنحاء العالم.
غير أن الصحافة السويسرية بدأت تتوقف عند ما في روايته من تناقضات، ثم كشف تحقيق أنه لم يولد في لاتفيا، بل في سويسرا، لأم تُدعى إيفون غروجان، أودعته دارًا للأيتام قبل أن تتبناه أسرة دوسِّكر. أما معسكرات الإبادة النازية، فلم يعرفها إلا زائرًا. فسُحب الكتاب من التداول، وانكشفت الحقيقة المرة: لم يكن صاحب هذه الخدعة يريد إلا أن يكسو حياته ثوب المأساة!
وكان إنريك ماركو (1921-2022)، وهو ميكانيكي كتالوني، المتحدث باسم المرحَّلين الإسبان طوال خمسة وعشرين عامًا، يدعي أنه اعتُقل في معسكر فلوسنبورغ في بافاريا. وكانت فصاحته وحيويته تأخذان بألباب مستمعيه، حتى إنه أبكى أعضاء البرلمان الإسباني وهو يصف كلاب قوات الأمن الخاصة النازية وهراواتها. لكن أحد المؤرخين كشف أمره وهو في الرابعة والثمانين، فلم يقر بالحقيقة إلا على استحياء. والحقيقة أنه كان، سنة 1941، عاملًا مدنيًا متطوعًا في مصنع بمدينة كيل شمال ألمانيا، ثم زعم بعد ذلك أن النازيين سجنوه وعذبوه هناك. وقد خص الروائي خافيير ثيركاس هذا المحتال الفذ برواية، لأنه ظل يكذب ويخدع الناس حتى بعد افتضاح أمره.
غير أن صناع الأكاذيب أخذوا يتكاثرون، وينشرون أوهامهم. ففي يوليو/تموز 2004، أبلغت شابة في الثالثة والعشرين الشرطة أنها تعرضت لاعتداء معادٍ لليهود في أحد قطارات الضواحي، وزعمت أن شبانًا من أصول مهاجرة شقوا وجهها، ورسموا على بطنها صليبًا معقوفًا بقلم لباد. غير أن التحقيق أثبت أن القصة مختلقة، فقضت المحكمة عليها بالسجن أربعة أشهر مع وقف التنفيذ…
إن ادعاء الضحية هو اغتصاب صفة لا يستحقها صاحبها. وقد يدعي المرء أنه ضحية بالسماع، أو بالامتداد، أو لمجرد المجاورة. وقد خلَّفت هجمات 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015 على مسرح باتاكلان نصيبها من الدجالين؛ بضع عشرات، ساق بعضهم الطمع في المال، وساق بعضهم طلب الشهرة.
وأشهرهم فلورنس م. (المعروفة باسم فلو كيتي) التي اختلقت صديقًا وهميًا زعمت أنه كان من ضحايا هجمات باريس 2015، ونسجت لنفسها رواية بلغت غاية الإحكام. وكانت كذابة مرضية محترفة؛ اندست في جمعية Life for Paris التي تضم الناجين، حتى غدت من أعمدتها، تنظم الحفلات والأمسيات، بل راحت تكشف بنفسها الكذابين الذين ينتحلون صفة الناجين.
قد نحسد الآخرين على سعادتهم، غير أننا نحسدهم، أكثر من ذلك، على مأساتهم؛ لأنها تهب صاحبها قصة بليغة، وتمنحه دفء جماعة الناجين، والانتماء إلى جماعة حية. وهذا الوسام الرمزي يخولنا كل الحقوق، ويجعلنا أحق بالاهتمام، ويخرجنا من غمار المجهولين. عندئذ، أخيرًا، نصير موجودين في وضح النهار!».
**
«إذا كان ثمة درس نستخلصه من أدب المعتقلات، فهو أن الضحية لا تكتسب قداسة لمجرد أنها عُذبت أو سُجنت. ففي كتابات بريمو ليفي، حوّل رجال قوات الأمن الخاصة النازية جمهور السجناء إلى كتلة رمادية هلامية، تمارس السرقة والوشاية، بل والقتل أحيانًا من أجل كسرة خبز. كانوا خامدين، واهني القوى، أنهكهم التيفوس والكوليرا، وأضناهم الجوع والدوسنتاريا، فلم يعودوا سوى حطامٍ سحقته آلة الموت، ينتظر النهاية كما يُنتظر الخلاص…
لقد كانت معسكرات الاعتقال مختبرات لإذلال الإنسان. ويروي برونو بيتلهايم أن بعض السجناء، محاكاةً لرجال قوات الأمن الخاصة، كانوا يتبادلون الضرب اختبارًا لقدرتهم على الاحتمال. والأسوأ من ذلك أنهم، اقتداءً بالنازيين، كانوا يتخلصون من الوافدين الجدد غير القادرين على العمل منذ لحظة دخولهم المعتقل.
ويصف بريمو ليفي أوشفيتز، عند تحريرها على أيدي القوات السوفيتية في فبراير/شباط 1945، بأنها مرحاض هائل متجمد، يعيش فيه أشباه بشر جياع، أولئك الذين كان النازيون يسمونهم «دون البشر».
أما شخصيات إسحاق باشيفيس سنغر، الحائز جائزة نوبل في الأدب سنة 1978، ومعظمهم من الناجين من المعتقلات، فلم ترفعهم تلك التجربة أو تسمُ بهم، بل خرجوا منها بخلاء، ومنغمسين في الفجور، وأوباشًا، وقوادين. فما تعرضوا له من ضرب وإذلال لم يجعلهم أفضل. ولا يتردد الكاتب في إبراز ضيق نفوسهم وشرورهم، من غير أن يدينهم، وبسخرية لاذعة…
ولم ينظر كبار من ذاقوا العذاب إلى أنفسهم بوصفهم ضحايا، بل بوصفهم كائنات تبدلت ماهيتها. ففي الطريقة التي نجوا بها من المهانة، يخاطبوننا من عالم بعيد، عالم الغرق واللعنة. وهناك يبلغ الشقاء حدًّا لا يعود بعده للشقاء معنى، وتصير الأحزان والدموع ترفًا لا يملكه إلا الأصحاء.
ومن هنا جاءت الخاتمة الصادمة لكتاب إيمري كيرتيس، في السطور الأخيرة من شهادته عن أوشفيتز: «هناك أيضًا، بين المداخن، وفي الفواصل التي كانت تنقطع فيها المعاناة، كان شيء يشبه السعادة... نعم، في المرة المقبلة التي تُطرح عليَّ فيها الأسئلة، سأتحدث عن سعادة معسكرات الاعتقال». ويروي بريمو ليفي كيف أغنته تجربة المعتقل: «لقد تراكبت على تجربتي القصيرة والمأساوية كمعتقل، تجربة أخرى، أطول منها وأعقد، هي تجربة الكاتب الشاهد، وكانت حصيلتها إيجابية بوضوح؛ ففي النهاية، أغناني ذلك الماضي من الداخل، وزادني صلابة». لقد كان أوشفيتز جامعته، كما كان جحيمه. وكتب برونو بيتلهايم إلى إحدى صديقاته سنة 1954: «والآن، بعدما مضى على تلك الأحداث خمسة عشر عامًا، أستطيع أن أعترف: لقد أفادني العام الذي قضيته في معسكر الاعتقال». ومع ذلك، انتهى بريمو ليفي إلى الانتحار، وكذلك برونو بيتلهايم وجان أمري، وغيرهم!».
**
«يروي الأخوان غونكور في يومياتهما أن امرأة كانت، في أثناء رحلة بعربة بريد، تقص على صديقة لم ترها منذ زمن طويل ما حل بأسرتها من مآسٍ. فقد قُتل أبوها بطلقات بندقية، وغرقت أمها، ومات زوجها في حريق. ولم يبق لها إلا ولد يعيش في مصر. ثم راحت تروي أن ولدها كان، مؤخرًا، يسبح في النيل، مرحًا لا يخشى شيئًا، حين أخذ تمساح يقترب منه. لكنها لم تستطع أن تكمل. فالركاب، الذين أصغوا إليها أول الأمر في ذهول، لم ينتظروا أن يعرفوا النهاية، ولم ينتظروا أن يفتح التمساح فاه الرهيب ويبتلع الطفل؛ بل انفجروا فجأة في ضحك مدوٍّ. لقد تجاوز الأمر كل حد. فلكل شيء حد.
وثمة أناس لا يسلكون، في أي ظرف، إلا طريق الكارثة. ولديهم براعة عجيبة في إفساد كل ما يقدمون عليه. وهذه القدرة النادرة على «صنع مآسيهم بأيديهم»، على حد تعبير بول فاتسلافيك، تثير الإعجاب. وسرعان ما تتحول حياتهم إلى كومة من الخراب، تزيدهم اقتناعًا بأنهم خُلقوا للشقاء. فإذا التقوا، مصادفةً، بآخر ابتُلي مثلهم بسوء الطالع، دخلوا معه في منافسة محمومة، يتباهى كل منهم بما نزل به من نكبات، ولا يقبل أن يسبقه أحد في هذا الميدان. إنهم يريدون أن يظلوا معتقلين في قبو يأسهم.
وإذا مرضوا، أخذوا يجمعون أفدح الأمراض، حتى ليغدو الواحد منهم وحده سجلًا للأمراض الفتاكة. وليس ثمة إلا شيء واحد يهدد هؤلاء التعساء المزمنين: أن تعترضهم لحظة سعادة. فالحياة تمد إليهم ذراعيها، وتدعوهم إلى أن يستسلموا لها ويحبوها. ولولا شيء يسير، لمالوا هم أيضًا إلى البِشر. لكن الأوان يكون قد فات؛ فالفرح يُنمَّى. أما هم، فما زرعوا إلا سوء الطالع والسلبية، ولم يبق لهم إلا أن يطأطئوا رؤوسهم، ويصبروا صبرًا طويلًا».
**
«ليس المطلوب أن نتخلص من حال الضحية، بل من عقلية الاستغراق في دور الضحية. أما الضحايا، فالأمر يعود إليهم وحدهم. وليس لأحد أن يملي عليهم كيف يعيشون تجربتهم، أفي النسيان أم في التذكر. على أن كثيرين أخذوا يرفضون أن تتحول الضحية إلى هوية قائمة بذاتها. ومن هؤلاء سامانثا غايمر، التي أجبرها رومان بولانسكي على علاقة جنسية في لوس أنجلوس، وكانت يومئذ في الثالثة عشرة والنصف من عمرها، بعدما تركتها أمها وحدها مع المخرج.
ولما سألتها صحفية عن رأيها في تصريح أديل هاينل لصحيفة «نيويورك تايمز» (24 فبراير/شباط 2020): «إن تكريم بولانسكي في جوائز سيزار هو بصق في وجه جميع الضحايا. ومعناه أن اغتصاب النساء ليس بالأمر الخطير!»، أجابت: «لا أوافق على ذلك إطلاقًا. إن مطالبة النساء بأن يحملن، لا عبء ما تعرضن له فحسب، بل أيضًا عبء غضب الجميع إلى الأبد، هو بصق في وجه كل من تعافت منهن ومضت في حياتها... وليس لأحد أن يملي على الضحية ما ينبغي أن تفكر فيه أو كيف ينبغي أن تشعر. فإذا منعت الضحية من أن تسامح وتطوي الصفحة، إرضاءً لرغبة أنانية في الكراهية والعقاب، فإنك لا تفعل إلا أن تزيد جرحها عمقًا. ومن حق الضحية أن تترك الماضي وراءها، ومن حق المعتدي أيضًا أن يصلح نفسه ويكفِّر عن خطئه، ولا سيما إذا أقر بما فعل واعتذر عنه».
وهذا ردٌّ لافت ومحرج لمن جعلوا من آلام النساء موردًا للارتزاق. فقد ناشدت سامانثا غايمر القضاء الأمريكي سنة 2009 أن يوقف الملاحقات بحق المخرج الفرنسي البولندي، مؤكدةً أنها تجاوزت ما حدث. وهي اليوم تعيش حياة سعيدة. وعلى خلاف النزعة التي تجعل من الألم عقيدة في زماننا، ترفض أن تجعل من المحنة التي أصابتها وسامًا تتزين به!».
**
كان القدماء يعدّون التذمر، والصراخ، والأنين، والاستسلام للألم، مما لا يليق بالرجل. أما ديمقراطياتنا الحديثة، فعلى النقيض من ذلك، فتتميز بالحضور الطاغي للشكوى. أن تشتكي هو أن تلقي بعللك في وجه الآخر، كأن مجرد إصغائه إليها يجعله مسؤولًا عنها. ولا يكاد يسلم أحد من ذلك، فهي وسيلة ناجعة لأن يبقى المرء على حاله من غير أن يغير شيئًا في حياته. نتمتم، ونتبرم، ونتذمر، حتى غدت الشكاوى تنتشر انتشار العشب الضار.
أما الدعاء، فعلى العكس، فهو ارتقاء بالنفس، والتماس لمصدر للنور، وتأمل على إيقاع الترتيل. فمن الدعاء ما يجري على اللسان بغير حضور، ومنه ما ينبع من القلب؛ الأول لا يعدو أن يكون تكرارًا آليًا، والثاني يمد صاحبه بعزم راسخ.
ولاحظ فرويد أن الشكوى تنطوي على معنى قانوني؛ فالشكوى هي، في النهاية، إقامة دعوى على الآخر، أو على العالم، أو على القدر. بل قد تقوم أخوّة للشكوى حين يشد بعض الناس أزر بعض، ويؤكدون معًا مشروعية قضيتهم، بجمع مظالمهم. وإذا كان الدعاء قد يكون صامتًا، فإن التذمر لا يكون إلا ثرثارًا. ومن أكبر مشكلات ديمقراطياتنا الغربية أننا فقدنا، إلى حد بعيد، مناعتنا النفسية. فلم نعد نعرف كيف نفرح، ولا كيف نحتمل. وصرنا نقيم في هذه المنطقة الوسطى: الشكوى، والمطالبة الدائمة.
وقد يكون الدعاء جماعيًا أيضًا؛ فهو شراكة روحية ترتفع بالنفوس، وفيض يجعل الإنسان أفضل، ويستدعي قوى عليا. وكل شيء يغدو موضع عبادة عند المؤمن المتقد حماسة، الذي لا يمل الإعجاب... وقد كتب هنري ماتيس سنة 1947: «أذهب كل صباح لأؤدي صلواتي، وقلمي في يدي، أمام شجرة رمان مزهرة».
**



من أفضل الشخصيات التي اسعد بإشعاراتها شكرا أستاذ
جزاك الله خير، مقالة فريدة.