كم عدد قرّاء هذه المقالة؟
بحكم أننا سكان هذه البيئات الافتراضية، فنحن نتعامل بشكل مزمن مع الأرقام: أرقام المتابعة، عدد المشاهدات، الإعجابات، القراءات، أرقام.. أرقام كثيرة في كل مكان. ومع ذلك يبدو أن تعاملنا مع الأرقام أعقد مما قد يظن البعض. قد يحفزنا رقم كبير جدًا للمتابعة في مشاهدات اليوتيوب مثلًا، ولكن في نفس الوقت حينما نرى أرقامًا كثيرة جدًا في سياقات أخرى ربما نشعر بالتوجس، ونشعر أن عدد المشاهدات مثلًا في بعض التغريدات في إكس (تويتر سابقًا) مثير للريبة؛ ونتوقع أن يكون هذا المحتوى مخادعًا، أو أن الأرقام مدفوعة و
غير حقيقية، وهذا واقع أحيانًا كما نعرف.
••
وفي نفس الوقت نحب قراءة المقالات الشعبية لأكثر من سبب، أولًا لنعرف ما الذي جذب كل هؤلاء الناس، لأننا نشعر في دواخلنا بنزوع نحو التوافق مع الآخرين، وغالبًا يكون لدينا هذا التحفز نحو معرفة ما الذي جذبهم، ونتخيل غالبًا أن ما جذبهم سيجذبنا أو سنستفيد منه بطريقة أو بأخرى.
وثانيًا هناك دافع آخر يرتبط بالخوف من أن يفوتنا شيء يشاهده الكثيرون. حينما نرى مقطعًا حديثًا صدر خلال ساعات، وعدد مشاهداته أو عدد قرائه أو عدد متابعيه ضخم جدًا، فنريد أن "نواكب" ما الذي يحدث، ونتابع لنكون كالآخرين.
••
وفي خضم ذلك ندرك أيضًا تأثير الخوارزميات في تضخيم "الأرقام"، وليس فقط التأثير المدفوع أو التزييف الكامل، وإنما تأثير الخوارزمية أيضًا يحدد موقفنا أحيانًا تجاه الأرقام، لمعرفتنا بها أو نسياننا لأثرها أيضًا، وكلاهما يؤثر بآلية كرة الثلج المعتادة. المليون الأول ربما تابعوا أو قرأوا هذا المحتوى وتفاعلوا معه، لكن غالبًا كثير من المليون الثاني إنما تابعوه من أجل رؤية ما الذي حفز المليون الأول على المتابعة، وهكذا المليون الثاني والثالث…الخ. فضلًا عن الملايين الذين جاءوا بعد أن بلغت الأعداد 60-70-80 مليونًا في متابعة هذا المحتوى، فيظهر جليًا أن الدافع الأساس، أو الأغلب على من جاءوا متأخرين، هو ما يمكن أن يُسمى حالة «التجمهر». وهكذا نحصل على مقطع أو مقال "عادي" حقق أرقامًا مليونية هائلة.
وهذا هو الدافع الأهم -دعني أجازف بالقول- في التحشيد داخل الشبكات، ويستحق أن يُناقش استقلالًا، وتتمركز عليه فكرة الترند، وكثير من الدعايات، ومعظم الأساليب لجلب الجمهور تقوم على محاولة توليد «التجمهر»؛ لأنه بقدر ما يمكنك أن تحفز عددًا معتبرًا على المتابعة والتجمّع، فإن هذا بطبيعته سيلفت نظر كثيرين، وهكذا تتكون لديك الشروط الأولية لتضخم الأعداد.
••
هناك فكرة أخرى ذات صلة، لا أعرف إن كنت ستتفق معي فيها أم لا. وهي أني أجد ترابطًا كبيرًا ودالًا بين تضخم الأعداد المرتبطة بالمحتوى وانخفاض قيمته المعرفية، أو حتى انعدامها. نعم، ليس كمعادلة رياضية حتمية، ولكن كظاهرة متكررة جدًا.
وهي تشمل أعداد المتابعات، الأرقام، المقالات، المشاهدات… كل هذه المؤشرات يمكن أن تنطبق عليها هذه الفكرة، ارتفاع الأعداد يزيد من احتمال انخفاض القيمة العلمية/المعرفية/الأخلاقية، أو ضآلة جودة المحتوى وضعف كفاءته عامةً.
لماذا؟ هناك تفسيرات متنوعة، منها:
1) أن تضخم أعداد المتابعة أو المشاهدة يعني عادةً اقتراب المحتوى من متوسط الفهم العام؛ بمعنى أنه من النادر جدًا أن تجد محتوى شديد العمق، ويحتاج إلى تركيز عالٍ وذكاء ومعرفة عميقة وواسعة، ويحظى بمشاهدات ضخمة. والسبب واضح وهو أن معظم الناس ليسوا عباقرة ولا فائقي الذكاء، وهذه نتيجة إحصائية بديهية، ومن ثمّ فالأكثر شيوعًا غالبًا هو ما يقع ضمن المتوسط، وما دونه، وليس بالضرورة ما يشيع هو الأسوأ، وإن كان قد يكون كذلك أحيانًا، ولكنه بالتأكيد لا يتجاوز متوسط معدل الفهم العام.
••
2) التفسير الآخر هو ارتباطه الشديد بتحفيز المشاعر اللحظية؛ إما بسبب إبهار بصري، أو انفعال وجداني، أو ما شابه ذلك. ولذا فالمقاطع التي تُظهر لطافة الأشياء -الأطفال، أو القطط لمن يحبونها، أو غيرها من الحيوانات الصغيرة- أو المشاهد الأبوية الحنونة التي قد تثير البكاء، أو العلاقات العاطفية المفاجئة، أو ردود الفعل غير المتوقعة… إلى آخره؛ هذا النوع من المحتوى يحصد مشاهدات عالية، بسبب ارتباطه القوي بالمشاعر والانفعالات اللحظية، ولا عيب في هذه المشاعر، ولكن هذه السمة لا تتوافق بالضرورة مع جودة المحتوى. فقد يضحك الإنسان أو يبكي من محتوى ما، دون أن يكون فيه قيمة علمية أو معرفية تُذكر.
••
3) وكذلك "سهولة" المحتوى، وكونه لا يحتاج إلى مجهود ذهني أو نفسي، فلا يكون طويلًا، ولا غامضًا جدًا.
وقد لاحظت كثيرًا في محتوى يوتيوب الخاص بشروح الكتب، وفي الدورات العلمية والتخصصية، وفي مختلف المجالات الشرحية والتعليمية؛ أن عدد المشاهدات في المحاضرة الأولى والثانية قد يكون كبيرًا، ثم يقلّ تدريجيًا في المحاضرة الثانية أو ربما الخامسة أو السابعة، إلى أن يصل في كثير من الأحيان إلى ما يقارب ٥٪ أو ١٠٪ فقط من عدد مشاهدات المحاضرة الأولى:
فمثلًا: التعليق على كتاب الاعتصام للشاطبي للشيخ يوسف الغفيص، وهي سلسلة دروس فخمة، بلغ عدد مشاهدات المحاضرة الأولى في بعض القنوات (٨٠٠٠ مشاهدة) أما الأخيرة (٧٠٠ مشاهدة فقط).
نموذج آخر: مساق العدالة في هارفارد للمحاضر البارع مايكل ساندل المترجم للعربية، بلغ عدد مشاهدات المحاضرة الأولى( ٢١٤٠٠٠ مشاهدة) والأخيرة (١١٠٠٠ مشاهدة فقط).
والسبب هو أن فتح المحاضرة الأولى ومتابعة جزء منها بقدر عليه الكثير، أما الصبر والمثابرة لسماع عدة ساعات لا تخلو من رتابة فهو مخصص لأولي الصبر والجَلَد.





