للأسف يرتبط الحطب في التراث في سياق العلم والكتابة بعلاقة مكروه، فكما تعرف: «يقال للمُخلِّط في كلامه وأمره: حاطبُ لَيْلٍ، مَثَلًا له؛ لأنّه لا يَتَفَقّد كلامَه كحاطب اللَّيل لا يُبصر ما يجمع في حَبْله من رديء وجيّد!»، ونقل سفيان بن عيينة عن بعض شيوخه قال: «يا أبا محمد، تَدْرِي ما حَاطِبُ لَيْلٍ؟ قُلْتُ: لا، إِلَّا أَنْ تَخْبِرَنِيهِ. قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَحْتَطِبُ، فَتَقَعُ يَدُهُ عَلَى أَفْعَى، فَتَقْتُلُهُ. هَذَا مَثَلٌ ضَرَبْتُهُ لَكَ لِطَالِبِ الْعِلْمِ، إِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ إِذَا حَمَلَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَا يُطِيقُهُ قَتَلَهُ عِلْمُهُ، كَمَا قَتَلَتِ الْأَفْعَى حَاطِبَ لَيْلٍ!».
وكذا روى الربيع بن سليمان قال: «سمعتُ الشافعي يقول: مَثلُ الذي يطْلب العلم بلا حجّةٍ كمثل حاطبِ ليلٍ يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري!».
ومما اختار صاحب الحماسة:
ومن الرِّجال أسنّةٌ مذروبة
ومزنَّدون شهودهم كالغائبِ
ومنهم أُسودٌ لا تُرام، ومنهم
مما قمشْت وضمّ حبل الحاطبِ
يشرحه عبدالقادر البغدادي بقوله: «من الرِّجَال رجال كالأسود فِي الْعِزَّة والمنعة، لَا يطْلب اهتضامهم، وَلَا يطْمع فيهم، وَمِنْهُم متفاوتون كقماش الْبَيْت، وَهُوَ رَدِيء مَتَاعه؛ جمع من هَهُنَا وَهَهُنَا وَقَوله (وَضمَّ حَبلُ الحاطبِ)؛ هُوَ كَقَوْل الآخر: (وَكلهمْ يجمعهُمْ بَيت الْأدم)؛ قَالَ الْأَصْمَعِي: بَيت الْأدم يجمع الْجيد والرديء فَفِيهِ من كل جلد رقعة، وَكَذَلِكَ الحاطب يجمع فِي حبله الرطب واليابس والجزل، وَرُبمَا احتطب لَيْلًا فضمّ فِي حبله أَفْعَى وَهُوَ لَا يدْرِي».
إذًا كما ترى الاستعارات تسير فيما لا نحب. وغاية ما يمكنني قوله هو أني حريص على الاحتطاب في النهار!
(١)
«لكلٍّ منّا أوهامُه الصغيرة بأنه وحده في هذا العالم، وتلك الومضات المفزعة من الإحساس بتفرّدنا المطلق: أننا وحدنا في البيت من يفرغ غسالة الصحون بعد انتهائها، ومن يبول أحيانًا تحت الدش، ومن يرتعش جفنه في الموعد الأول؛ وأننا وحدنا من يأخذ العفوية بجدٍّ شديد؛ وأننا وحدنا من يُلبس التوسّل ثوب المجاملة؛ وأننا وحدنا من يسمع الشجن المتذمّر في تثاؤب كلب، والضحكة المتناثرة في بيضة تُقلى، والمرثية على مقام ري الصغير في صرخة المكنسة الكهربائية؛ وأننا وحدنا من يشعر، عند الغروب، بذلك الفزع الذي يشعر به طفل الروضة في أول عهده بها حين يرى أمَّه تمضي عنه.
وأننا وحدنا نحبّ هذا الشعور بأننا وحدنا. وأننا وحدنا نحتاج إليه. فوهمُ أننا وحدنا هو ما يجمعنا… وأننا نشعر بالوحدة وسط الزحام، من غير أن نتوقف طويلًا عند ما الذي أوجد هذا الزحام أصلًا. وأننا، دائمًا، وجوهٌ في زحام».
— ديفيد فوستر والاس
(٢)
«إمّا أن تجعل من المخلوق أداةً، وإمّا أن تجعل منه إنسانًا؛ فلا سبيل إلى الجمع بينهما. لم يُرَد للبشر أن يعملوا بدقّة الأدوات، ولا أن يكونوا بالغي الضبط والكمال في جميع أفعالهم. فإن أنت طلبت منهم تلك الدقّة، وجعلت أناملهم تقيس الدرجات كالعجلات المسنّنة، وأذرعهم تخطّ المنحنيات كالفرجار، فلا بدّ لك من أن تسلبهم إنسانيتهم. إذ ينبغي إذ ذاك أن تُكرَّس طاقة أرواحهم بأسرها ليجعلوا من أنفسهم تروسًا وفراجير؛ وأن يُصرف كلّ انتباههم وقوّتهم إلى إنجاز ذلك العمل الوضيع!».
جون رسكن
(٣)
أنا مقتنع تمامًا بهذه الفقرة الرائعة التي كتبها سي. إس. لويس:
«ثمة فكرة غريبة شائعة، وهي أن الكتب القديمة في أي موضوع لا ينبغي أن يقرأها إلا المتخصصون، أما القارئ العادي فعليه أن يكتفي بالكتب الحديثة. وقد لاحظت، حين كنت أدرّس الأدب الإنجليزي، أن الطالب العادي إذا أراد أن يعرف شيئًا عن الأفلاطونية، فإن آخر ما يخطر له هو أن يتناول من رف المكتبة ترجمة لأفلاطون ويقرأ «المأدبة». بل يفضّل أن يقرأ كتابًا حديثًا كئيبًا، أطول منه عشر مرات، كله حديث عن «المذاهب» والتأثيرات، ولا يكاد يخبره بما قاله أفلاطون نفسه إلا مرة كل اثنتي عشرة صفحة. وهذا الخطأ في الحقيقة محبّب، لأنه نابع من التواضع. فالطالب يهاب أن يواجه أحد كبار الفلاسفة وجهًا لوجه؛ ويشعر أنه ليس أهلًا لذلك، ويظن أنه لن يفهمه. لكنه لو عرف، لأدرك أن الرجل العظيم، لعظمته نفسها، أوضح وأيسر فهمًا بكثير من شارحه الحديث. فأبسط الطلاب يستطيع أن يفهم، إن لم يكن كل ما قاله أفلاطون، فجانبًا عظيمًا منه؛ في حين أن بعض الكتب الحديثة عن الأفلاطونية لا يكاد يفهمها أحد. ولذلك كان من أهم ما حرصت عليه دائمًا في التدريس أن أقنع الشباب بأن المعرفة من منابعها الأصلية ليست أجدر بالتحصيل من المعرفة المنقولة فحسب، بل هي في الغالب أيسر تحصيلًا وأمتع أيضًا!».
(٤)
كتب ستيفن مينتز وهو غير مؤمن تأملاته حين يواجه فكرة الموت:
«في أيامه الأخيرة، كان أبي يمرّ بما وُصف لي بأنه نوبات من الفزع الليلي. لم أشهدها بنفسي، لكن أمي شهدتها، وقد هزّتها في أعماقها. كانت قد عرفته طوال معظم حياتها الراشدة، ومع ذلك رأت فيه خلال تلك الساعات شيئًا لم تره من قبل؛ لم يكن فيه ما يهددها جسديًا، لكنه كان مخيفًا على نحو أعمق، كأنما تبيّن أن هذا الشخص المألوف ينطوي على أقاليم من التجربة لم يكن لها سبيل إليها قط.
وثمة تفسيرات فسيولوجية بديهية لذلك… لكن التفسير الفسيولوجي لا يجعل التجربة أقل واقعية. فللخوف فسيولوجيته، وكذلك للحزن والحب، بل للوعي نفسه. وكون الدماغ المحتضر يمرّ بتغيرات لا يعني أن الرعب الذي يشعر به الإنسان وهمٌ أو أمرٌ قليل الشأن.
لسنوات، بدت لي عبارات مثل «ليلة الروح المظلمة» و«الرهبة الوجودية» تجريداتٍ آتية من اللاهوت والفلسفة. لكن احتضار أبي جعلها فجأة أمورًا واقعية. أيًّا يكن ما كان يجري في دماغه، فقد كان يعيش رعبًا لا يستطيع أحد آخر -حتى من يحبه حبًّا عميقًا- أن يدخل فيه تمامًا أو يرفعه عنه.
لقد أراني الموت شيئًا لم أكن أفهمه من قبل إلا من حيث النظرية: حتى أقرب الناس إلينا يظلّ جانبٌ منه بعيدًا عن متناولنا. كان بوسع أمي أن ترى رعب أبي، وأن تضمه، وتواسيه، وتتألم معه؛ لكنها لم تكن تستطيع أن تعيش ما كان يعيشه. ومهما بلغت العلاقة من الحميمية، يظل كل واحد منا يعيش داخل وعي لا يستطيع أحد سواه أن يلجه بالكامل».
ولذلك، يذهب مينتز إلى نقد النموذج العلاجي السائد، ويطرح فكرة يرى أن وسطية، تجمع بين (استعادة الحكمة دون رفض العلاج النفسي)، ويكتب:
«لا أعترض على العلاج النفسي، وإنما أدعو إلى رسم حدودٍ أوضح له. فكونه ممارسةً مرخَّصةً تُغطّي تكاليفَها أنظمةُ الرعاية الصحية لا يعني أن جميع أشكال العلاج النفسي تستند إلى النوع نفسه من الأدلة الذي تستند إليه المعالجة الطبية. كما أن اللغة التي نشأت لمعالجة الاضطرابات النفسية لا تقدّم، بالضرورة، أفضل الأجوبة عن أسئلة الواجب والمسؤولية وكيف ينبغي للناس أن يعيشوا.
وحيث ينطبق النموذج الطبي انطباقًا حقيقيًّا -أي حيث توجد علاجاتٌ مختبَرة لحالاتٍ محددة بوضوح- فإنه يستحق ما نوليه للطب القائم على الدليل من ثقة.
أما حيث لا ينطبق، فإن جانبًا كبيرًا مما يجري في جلسات الإرشاد يبدو أقرب إلى ما كان يفعله [البعض] في المجال العام: تقديم إرشاد متأنٍّ وإنساني، مستند إلى الخبرة، بشأن أوضاعٍ إنسانية صعبة. وقد يستمد هذا الإرشاد مادته من الفلسفة الأخلاقية، والفهم التاريخي، والمعرفة الثقافية، والحكمة العملية، لا من التجارب السريرية.
ولهذا اللون من الحكمة قيمةٌ حقيقية. فعلى مدى قرون، أعان الكهنة والحاخامات والفلاسفة والمعلّمون وكبار السن والأصدقاء الموثوق بهم الناسَ على الاهتداء في شؤون الزواج، والنزاعات الأسرية، والحزن، وأسئلة الغاية والمعنى.
والجديد أن المجتمعات الحديثة أخذت، على نحو متزايد، لا تقبل هذا النوع من الإرشاد إلا إذا جاءها مسنودًا بسلطة مهنةٍ مرخَّصة. فنحن نثق بتفسير شخصٍ لعلاقةٍ مضطربة حين يرسل هذا الشخص فاتورته إلى شركة التأمين تحت رمزٍ تشخيصي، لكننا أقل استعدادًا للاعتراف بالنوع نفسه من البصيرة إذا صدر عن فيلسوف، أو ميسِّر، أو معلّم، أو قريبٍ حكيم.
وكانت النتيجة أن أصبح العلاج النفسي الصوتَ الأخلاقي الافتراضي لعصرٍ علماني، يتصدى في كثير من الأحيان لأسئلة لم يُصمَّم أصلًا للإجابة عنها!».
(٥)
(٦)
«المزارعون هم الذين صاغوا كلمة (المرونة résilience)، مما لاحظوه في الأزهار: فعندما يشتدّ الحرّ تنغلق على نفسها كي لا يتبخّر ما بقي فيها من ماء، وإذا طال بها ذلك تحوّلت إلى زهرة ذات أشواك!».
الطبيب النفسي بوريس سيرولنيك (Boris Cyrulnik)
(٧)
«… ولعلّ ما يفصل بين الآباء والأبناء من تمرّد، ثم من تباعد جغرافي ومهني، يفسّر تلك الشحنة العاطفية الغريبة التي يحيط بها مجتمعنا كلَّ جديد. فنحن، فيما يبدو، نكره كلَّ ما سبقنا، كما يكره المراهق سلطة أبويه، ونرى في تقادمه ضربًا من الانتقام. ولعلّ هذا يفسّر إلحاح الصناعة الهوسي على «طراز هذا العام»، أو انشغال «المربّين» المحترفين بالتجديد في النظريات والمناهج. وكذلك ظلّ الأدب الحديث، طوال سنوات كثيرة، مشغولًا بـ«الأصالة» و«قلق التأثّر» -وهي نظرية نقدية مراهقة- بدلًا، مثلًا، من إعجاب سبنسر بتشوسر إعجابَ الابن، أو إعجاب دانتي بفرجيل.
ولكن إذا كان المعيار الجديد يقطع نموّ العلاقة بين الأبناء والآباء، فإن هذا الانقطاع نفسه، حين يمتدّ في أرجاء الجماعة، يقضي على استمرارية الحياة المحلية، ومن ثم على تماسكها. فحين يرحل الأبناء، جيلًا بعد جيل، يفقد المكان ذاكرته عن نفسه؛ أي تاريخه وثقافته. وحتى التاريخ المحلي، إن كُتب له البقاء، يفقد مكانه.
ولا ينفع أن يعمد المؤرخون ودارسو المأثورات الشعبية وعلماء الأنثروبولوجيا إلى جمع الأغاني والحكايات والمأثورات التي تتكوّن منها الثقافة المحلية، ثم إيداعها الكتب ودور المحفوظات. فهم لا يستطيعون أن يجمعوا ويحفظوا -لأنهم لا يستطيعون أن يعرفوا- ذلك النمط من التذكير الذي لا يبقى إلا في جماعة بشرية حيّة، وفي مكانها. فهذا النمط هو حياة الثقافة المحلية، وهو الذي يستحضرها إلى الذهن على نحو نافع أو ممتع. فإذا انفصلت الثقافة المحلية عن معالمها ومناسباتها المحلية، فقد تظل موضوعًا للفضول أو الدراسة، لكنها تكون قد ماتت أيضًا!».
—Wendell Berry (1934- 2026)
(٨)
«القراءة العميقة تغيّر الإنسان. وحين تتعامل مع الناس، تستطيع أن تميّز من يقرأ بجدّ ممن لا يقرأ. وليس الأمر مجرد قدرة عقلية أو ذكاء؛ فهناك فرق بين الذكاء الخام، وبين أن يقضي المرء وقتًا طويلًا غارقًا في أفكار معقدة ومتداخلة. ويمكنك أن تميّز بين الذكي الذي يقرأ والذكي الذي لا يقرأ من طريقة كلٍّ منهما في عرض أفكاره، ومن المراجع التي يستحضرها، ومن مسارات الاستدلال التي يتبعها. فالأول كثيرًا ما يكشف عن فهم دقيق يجمع بين بصائر مستمدة من مجالات مختلفة. أما الثاني، مع ذكائه وسرعة بديهته، فلا يملك العمق نفسه في النظر، ولا القدرة نفسها على تجاوز موضوع الحديث المباشر أو «قضية الساعة». وهذا الفرق يزداد ظهورًا بين شبان لا شك في ذكائهم، لكنهم لا يقرؤون، أو لا يقرؤون إلا كلامًا فارغًا، مع أنهم أنفقوا أموالًا طائلة على تعليم كان يُفترض أن يكون جيدًا!».
Rob Henderson, How I Read
(٩)
«وَاللَّهِ مَا نَالَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّفَهِ بِسَفَهِهِمْ وَلَا أَدْرَكُوهُ مِنْ لَذَّاتِهِمْ؛ إِلَّا وَقَدْ أَدْرَكَهُ أَهْلُ المروءات بمروءاتهم، فَاسْتَتِرُوا بِسِتْرِ اللَّهِ!».
فاطمة بنت الحسين (ت١١٠هـ) رحمها الله
(١٠)
حين سُئل صمويل جونسون إن كان يرغب بلقاء بالكاتب المسرحي هيو كِلي (ت1777م) أجاب: «لا يا سيدي؛ فما رغبت قطّ في محادثة رجل كتب أكثر مما قرأ!».
(١١)
«لقد أعاد مجتمعنا توجيه نفسه نحو اللحظة الحاضرة. فكل شيء يجري على الهواء، وفي الزمن الحقيقي، وعلى مدار الساعة. وليس الأمر مجرد تسارع، مهما تكن أنماط حياتنا وتقنياتنا قد سرَّعت الوتيرة التي نحاول بها إنجاز الأشياء؛ بل هو، بالأحرى، انتقاص من شأن كل ما لا يحدث الآن، في مقابل السيل الجارف لكل ما يُفترض أنه يحدث الآن!».
— دوغلاس راشكوف
شكرًا لاطلاعك.. إلى اللقاء!



نفيسٌ حطبُ هذه الحصيلة كأنّكم ما احتطبتم إلّا من عِتاق الأشجار وكِرامها!