لم تكتسب المقاربات الأصيلة الإسلامية في العلاج النفسي القائم على البحث العلمي زخمًا منهجيًا لافتًا إلا حديثًا. ونعني بـ «المقاربات الأصيلة» تلك الأطر التي تنبثق من علم نفس يتجذر في تصور للإنسان مستمد من الفلسفة الإسلامية وعلوم العقيدة والأخلاق والتوجيه (Rothman, 2021). وتتوخى هذه المقاربات تحقيق اتساق معرفي وأصالة افتقدتها النسخ «المؤسلَمة» من العلاجات النفسية الغربية العلمانية، وهي نسخ لم تتجاوز مجرد تعديل المفاهيم السطحية في محاولة قاصرة لمواءمتها مع القيم والشعائر الإسلامية.
وقد أعد عبد الله روثمان Abdallah Rothman وهو باحث ومعالج نفسي متخصص في علم النفس والعلاج النفسي الإسلامي، ويتركز عمله الأكاديمي والسريري على تطوير مقاربات أصيلة لعلم النفس تستند إلى التصور الإسلامي للنفس. يشغل منصب رئيس علم النفس الإسلامي في كلية كامبريدج الإسلامية، ويحمل درجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة كينغستون لندن. ومعه أدريان كويل Adrian Coyle عالم نفس اجتماعي وأستاذ فخري لعلم النفس في جامعة كينغستون لندن، وتركز أبحاثه على قضايا الهوية والدين والمجتمع والصحة النفسية، إضافة إلى مناهج البحث النوعي في علم النفس؛ ورقة علمية مهمة سعت لتجميع نموذج إسلامي للنفس في العلاج النفسي، وذلك عبر تحليل مقابلات منهجية أُجريت مع 18 معالجًا نفسيًا مسلمًا ممن يدمج التصورات الإسلامية لعلم النفس في عملهم العلاجي.
وفيما يلي أعرض لك مجمل الورقة بحروف أصحابها، ولا تغني عن قراءة الورقة بالطبع، ولكن اخترت بعض أفكارها.
مراحل النفس
اتفق المعالجون في العينة على أن معظم عملهم في العلاج النفسي يتركز على مستوى النفس، بما تمثله من نزعات ودوافع أولية؛ لأن معظم مظاهر الاختلال النفسي و/أو الروحي تتجلى في هذا المستوى.
ينظر المعالجون إلى مراحل النفس (النفس الأمّارة بالسوء، والنفس اللوّامة، والنفس المطمئنة) بوصفها تجليات مختلفة للنفس نفسها، أي بوصفها صفات تتخذها النفس بحسب درجة ممارسة المرء لـ جهاد النفس.
وعندما لا يبذل الشخص جهدًا كبيرًا في جهاد نفسه، تكون النفس في مرحلة أو حالة النفس الأمّارة بالسوء، حيث يتبع الشخص نزعاته الدنيا التي تدفعه إلى الابتعاد أكثر عن الفطرة، أي الطبيعة النقية والخيّرة للنفس الإنسانية، وهو ما يميل إلى أن يؤدي إلى اختلال نفسي، أو قصور في الأداء، أو إلى حالة من الغفلة، أي نسيان الله.
أما حين تجاهد النفس أهواءها وتسعى إلى ضبطها، فإنها تنتقل إلى حال النفس اللوّامة، حيث يزداد وعي الإنسان بأفعاله ويصبح أكثر قدرة على محاسبة نفسه واستعادة توازنه. غير أن هذا التحول لا يكون ثابتًا، بل يظل عرضة للتقلب تبعًا لإرادة الشخص وقدرته على ضبط نفسه. وقد عبّرت إحدى المشاركات عن ذلك بقولها: «قد يخرج الإنسان في يومه ثم يعود وقد غلبت عليه النفس الأمّارة بالسوء، وقد يعود وقد اقترب من حال النفس المطمئنة. إنها حركة يومية، بل تتغير من لحظة إلى أخرى».
معظم العلاج النفسي يقع بين النفس الأمّارة بالسوء والنفس اللوّامة
يرى كثير من المعالجين أن الانتقال بين مراحل النفس ليس أمرًا طبيعيًا وصحيًا فحسب، بل ينبغي للمعالج، خلال العملية العلاجية، أن يسعى إلى تشجيع الانتقال في اتجاه تصاعدي من النفس الأمّارة بالسوء إلى النفس اللوّامة ثم إلى النفس المطمئنة.
وقد عُدَّ هذا الانتقال العملية الدينامية التي تُفعِّل مسار تحقيق التوازن وتعززه، ومن ثم تتيح الوصول إلى الاتزان والشفاء.
وذهب بعضهم إلى لقول إن بقاء المرء في إحدى المرحلتين الأدنى لفترة طويلة قد يصبح أمرًا إشكاليًا. بل إذا ظل في حالة النفس الأمّارة بالسوء، فقد يصبح ساعيًا إلى اللذة بصورة مرضية، أو حتى نرجسيًا، بحيث يغذي الأنا وتستحوذ عليه حالة من الانشغال المستمر بإشباع كل رغباته والتصرف وفق نزعاته الأنانية.
ويبدو أن النرجسية، بمعنى الانشغال المرضي بتعظيم الذات، تُعد من منظور إسلامي اختلالًا نفسيًا خطيرًا؛ إذ يقوم التصور الإسلامي على أن الإنسان عبد لله، وأن ما يصدر عنه من خير إنما هو بفضل الله ونعمته، لا استحقاقًا ذاتيًا محضًا.
ومن هذا المنطلق، شُبِّه إنكار هذا المعنى والاعتقاد باستقلال الإنسان عن إرادة الله، ورؤيته نفسه مستحقًا للثناء بذاته، بحال إبليس الذي عُدَّ في هذا السياق المثال الأقصى لتضخم الأنا والنرجسية.
ومع ذلك، رأى المشاركون أن قدرًا معتدلًا من الاعتداد بالذات ضروري لصون النفس، ومحبتها، وتحفيزها، شريطة ألا يطغى هذا الشعور، وأن يظل منضبطًا بمحاسبة النفس وتنظيمها؛ وهي الوظيفة التي ترتبط بمرحلة النفس اللوّامة.
وفي هذا السياق، قال بعض المعالجين المسلمين: «قد تكون دوافعك صحية. فهناك دوافع بيولوجية، وهناك سبل صحية لإشباعها. ولكن توجد أيضًا سبل غير صحية، وهنا يأتي دور النفس اللوّامة. فهي ليست ناقد يحاول دفعك إلى الامتثال الاجتماعي فحسب، بل إنها موجودة لما فيه مصلحتك أنت».
فالنفس اللوّامة تمثل مرحلة ضرورية ينبغي للنفس أن تنتقل إليها من خلال بذل الإرادة في عمليتي جهاد النفس وتهذيب الأخلاق، وذلك من أجل تنظيم تلك النزعات الطبيعية ومنعها من أن تتحول إلى حالات مرضية أو أن تُحدث اختلالًا في المنظومة ككل.
ومع أن النفس اللوّامة، عندما تكون في حالة غير متوازنة، قد تتحول إلى صوت مفرط في النقد داخل الشخص، فإنها في حالة التوازن المناسب عُدَّت قادرة على أداء دور تنظيمي داخل نفسية الفرد.
وعلى نحو مشابه لفكرة أن النفس الأمّارة بالسوء قد تصبح مرضية إذا ظل الشخص عالقًا في تلك المرحلة، ثمة مخاطر في البقاء داخل مرحلة النفس اللوّامة. تقول إحدى المعالجات: «هنا تستخدم النفس اللوّامة، أي النفس التي تلوم ذاتها. ويمكنك الاستفادة من النفس اللوّامة. إنها أداة. النفس اللوّامة أداة. ولهذا أعتقد أن النفس اللوّامة إيجابية جدًا، ما لم تظل عالقًا فيها. فإذا استقررت في النفس اللوّامة، تصبح الحالة مرضية، وقد تُصاب باضطراب خطير، مثل الشعور العصابي بالذنب، وربما حتى الذهاني. وقد تعاقب نفسك».
فخطر البقاء في مرحلة النفس اللوّامة يتمثل في تحول الوظيفة الطبيعية لهذه المرحلة إلى وظيفة غير صحية وضارة، بما يؤدي إلى اختلال نفسي وعوائق انفعالية، يقول معالج: «النفس اللوّامة حين تنحرف عن وظيفتها السوية، وهو أمر أراه كثيرًا، تتمثل في تدني تقدير الذات، والحط من قيمة النفس، وكراهية الذات باستمرار، والاعتقاد الدائم بأنك مخطئ، مثل: “أنا لا أستطيع أن أفعل أي شيء على نحو صحيح”.
لذلك أرى أن النفس اللوّامة في أصلها صحية؛ فعندما تعلم أنك ارتكبت خطأ، فإنك تلوم نفسك. ولكن بسبب الثقافة التي يأتي منها معظم عملائي، وهي ثقافة مبنية على الشعور بالذنب والعار، وغالبًا ما تُبنى فيها الممارسات الدينية والبنى الأسرية على الخوف والذنب، فإن كثيرًا منهم يأتون وهم يحملون حالة من النفس اللوّامة المصحوبة بالكثير من الأفكار السلبية والأفكار القمعية الموجهة نحو ذواتهم.
وهنا نعمل على مساعدتهم، ليس على التخلص من النفس اللوّامة مباشرة، لأنهم عندئذ قد يسقطون في النفس الأمّارة بالسوء، وإنما على تجاوز النفس اللوّامة والانتقال إلى النفس المطمئنة؛ حيث أستطيع أن أسمع فكرة ما وأعالجها، فأقول: “حسنًا، إذا كنت مخطئًا، فما الذي يمكنني فعله لأتحسن؟”».
ويشير السياق الثقافي المذكور إلى البلدان العربية المسلمة و/أو البلدان ذات الأغلبية المسلمة، حيث تكون التعاليم الدينية الإسلامية متداخلة مع الافتراضات والتوقعات الثقافية، وغالبًا ما يحدث خلط بينهما.
فعلى سبيل المثال، في حين يزخر القرآن والتعاليم الإسلامية بالتأكيد على أن الله هو الرحمن الرحيم والغفور، فإن الأعراف والتوقعات الثقافية داخل العلاقات بين الأشخاص كثيرًا ما تُنتج أنماطًا ممتدة من الشعور بالعار والذنب والإحساس بأن الشخص «ليس جيدًا بما يكفي».
وتحدث كثير من المعالجين عن الكيفية التي تلحق بها هذه الأنماط المتجذرة الضرر بعلاقة الشخص بالله الرحمن، وأوضحوا أن جانبًا كبيرًا من عملهم بوصفهم معالجين نفسيين في المراحل الأولى من العلاج يتركز على إعادة توجيه علاقة العملاء بالله وبذواتهم، وغرس الشعور بالمحبة والرحمة تجاه الذات بوصفهما انعكاسًا لمحبة الله ورحمته.
الانتقال عبر مراحل النفس بوصفه هدفًا للعلاج
يطرح المعالجون الذين انخرطوا بصورة فاعلة مع المستويات الأربعة للنفس مادة أكثر تفصيلًا من غيرهم حول سبل مساعدة العملاء على التقدّم نحو مرحلة النفس المطمئنة، واستعملوا أدوات عملية لمساعدة العملاء على التقدّم نحو مرحلة النفس المطمئنة أو اختبار لمحات منها، وذلك أساسًا من خلال ممارسات إسلامية مثل المراقبة والتفكر.
ويمكن فهم المراقبة على أنها مراقبة الإنسان لذاته، حيث يوجه الشخص انتباهه إلى داخله ويدخل في حالة من الحضور مع ذاته الداخلية. أما التفكر فوُصف بأنه عملية للتفكر في عظمة خلق الله، مثل الشعور بالرهبة والإجلال أمام البيئة الطبيعية وما تتسم به من ترابط بين مكوناتها.
ويُقصد من ذلك أن يقود الشخص إلى حالة من السلام والسكينة الداخلية، بحيث ينتهي به الأمر إلى التركيز على الله وحده بوصفه مصدر الخلق كله. يقول معالج:
«في الإسلام، يبدأ التأمل أولًا بالتقدير؛ أي أن تنتقل من جمال الأشياء إلى خالقها. وأعتقد أن للتفكر خطوات بالنسبة إليّ. فالبداية تكون بمجرد تقدير الخلق. ثم تنتقل من تقدير الشيء إلى خالق ذلك الشيء الذي أعجبت به، لأنني أعتقد أن الأشخاص غير المسلمين، أو الذين لا يؤمنون بالله، يقدّرون أيضًا جمال الطبيعة.
وبمجرد أن تصل إلى مرحلة التقدير، فإن ذلك يقودك تدريجيًا إلى أن تغمض عينيك، وتأخذ نفسًا عميقًا، وتتخيل نفسك عند المحيط، وتسمع الأمواج وهي تصل إلى الشاطئ وتُصدر ذلك الصوت. ويمكنك أن ترى بعيدًا، وأن تسمع الأطفال يلعبون. ونستمر على هذا النحو إلى أن يتخيل الشخص المشهد بوضوح شديد. ثم، انطلاقًا من هذا المشهد، تنتقل إلى الخالق؛ فالله مطّلع على كل ذلك».
فإرشاد العميل إلى اختبار هذه الحالة الهادئة من السكينة الداخلية، مع استحضار قوة الله أو جلاله، يمنحه لمحة أو تذوقًا لما تكون عليه حالة النفس المطمئنة. وعندئذ يعرف العميل الحالة التي يسعى إلى الوصول إليها، ويمكنه أن يعمل على العودة إليها مرة أخرى.
ووصفت معالجة ممارسة مشابهة من التخيل الموجّه تستخدمها مع عملائها. وتروي تجربة أحد مرضاها:
«إنهم يشعرون بوجودٍ إلهي. وقد قال أحد المرضى: عندما حدثتني عن ذلك، رأيت الكون والنجوم والكواكب، وشعرت أن لي شأنًا وقوة، بفضل تأييد الله، لا بقدرتي الذاتية؛ فالأمر لا يتعلق بارتفاع تقدير الذات ولا بالأنا، بل بالروح. شعرت أن الله يحميني، وأن كل ما كان يمكن أن يؤذيني من قبل قد أصبح ضئيلًا جدًا، وشعرت أنني محاط تمامًا بنور يحميني».
ومثل هذه الخبرات الموجّهة مفيدة وذات أثر قوي في مساعدة العملاء على التواصل مع الله بطرق تتجاوز المستوى العقلاني الضيق، ولا سيما أثناء الظروف الحياتية الصعبة أو في خضم المشكلات النفسية.
ومع ذلك، كان هناك اتفاق بين جميع المعالجين أن العيش المستمر في مرحلة النفس المطمئنة أمر بالغ الصعوبة وغير عملي، ولا يقع، بالنسبة إلى معظم العملاء، ضمن نطاق العلاج النفسي.
وأوضح بعضهم أن هدفه من استخدام التفكر في العلاج هو البناء على الخبرات التي ربما سبق للعملاء أن اختبروها بصورة عابرة، ثم تقوية هذه الخبرات أو توسيعها بحيث تصبح موارد داخلية يمكنهم الرجوع إليها والاستفادة منها في المستقبل. وقال:
«من النادر أن تجد مريضًا لم يختبر مثل هذا الشعور في مكانه الخاص؛ ربما عندما جلس لبعض الوقت بين أشجار النخيل في الصحراء. أسأله: متى كنت أكثر سعادة وأنت تتأمل الطبيعة؟ عندها سيذكر موقفًا ما، ثم أعمل على مساعدته على أن يعيش تلك التجربة من جديد».
النفس المطمئنة وما بعدها
مع أن المعالجين عدّوا النفس المطمئنة مرحلة محورية في دفع العميل إلى تجاوز النفس اللوّامة، فإنهم رأوا أن بلوغ حالة من الثبات فيها أمر نادر. واتفقوا على أن من يصل إلى هذا المستوى ويستقر فيه يكون قد تجاوز، في الغالب، حدود ما يستطيع العلاج النفسي الإسلامي أن يقدمه.
وهم يرون أن نطاق عملهم يقع أساسًا بين النفس الأمّارة بالسوء والنفس اللوّامة، وأن الهدف هو إيصال العميل إلى عتبة النفس المطمئنة.
ومع ذلك، فقد اتفق معظمهم على أنه بعد هذه النقطة يصبح من المناسب للمعالج أن يُحيل الشخص إلى شيخ، بوصفه مرشدًا روحيًا، ليتولى توجيهه في مسار أكثر صراحة من حيث الطابع الديني نحو التطور الروحي. وفي تعليقه على ذلك، قال أحدهم:
«من الواضح أنه من الصعب بالنسبة إليّ أن أوصلهم إلى حالة يستقرون فيها في النفس المطمئنة، لأنك تحتاج إلى شخص ذي قدرة روحية كبيرة لتحقيق ذلك، مثل الشيخ. لكنهم يحصلون على ومضات منها، أو لمحات منها. وعندما يختبرون تلك اللمحات، يشعرون بأنها طبيعية جدًا، وكأنهم يقولون: “أخيرًا، أصبحت أعمل كما ينبغي”.
وعندما يشعرون بذلك بأنفسهم، يصبحون هم الذين يسعون بعد ذلك ويبذلون جهدًا كبيرًا للوصول إلى النفس المطمئنة. ثم يعملون بأنفسهم للوصول إليها، أو يلجؤون إلى شخص من خارج نطاق عملي يكون أكثر تخصصًا مني في هذا الجانب، ليساعدهم في هذا الطريق».
تطور نفس العميل: المنهج العلاجي
عبّر معظم المعالجين عن فهم مشترك مفاده أن المنهج الإسلامي في العلاج النفسي يهدف إلى الكشف عن الذات الحقيقية الكامنة بالقوة، والموجودة تحت المشكلات والاختلالات النفسية، وإلى ربط العميل بهذا المستوى الأعمق من هويته في علاقته بالله، وبحقيقته الأصلية السابقة على وجوده في هذه الدنيا، أي العالم الزمني والمادي، حيث تظهر المشكلات التي يتقدم بها للعلاج.
ولم يُنظر إلى المشكلات والقضايا النفسية على أنها مجرد أعراض لمشكلة أعمق فحسب، بل كذلك كعلامات إرشادية على طريق تحقيق الذات الحقيقية بالفعل؛ أي الذات في حالة الفطرة، وفي بُعد الروح من النفس، بوصفها النفحة الإلهية المتصلة بالله، والتي تكمن تحت خبرة الذات كما يدركها الشخص أو يتصورها.
تحديد دور المعالج الإسلامي ورسم حدوده
نظرًا إلى أن المعالج النفسي الإسلامي كان يُنظر إليه بوصفه شخصًا يدمج المبادئ الإسلامية في العلاج النفسي، فقد كان هناك وعي واضح لدى المعالجين بأن دورهم قد يقترب أحيانًا من تجاوز الحدود إلى دور المرشد الديني.
وناقش كثير منهم ضرورة توضيح الفرق والتأكيد عليه بين ممارس علم النفس أو العلاج النفسي من جهة، والمرشد الديني من جهة أخرى، وذلك بالنسبة إلى العملاء، ويبدو كذلك بالنسبة إلى الممارسين أنفسهم.
يتحدث أحدهم: «عندما أقابل عميلًا جديدًا، غالبًا ما أصف له دوري بالطريقة التي أراه بها. فأقول إن أحد جوانب دوري، كما أتصوره بدرجة كبيرة، هو أن أكون بمثابة مرآة. أليس من اللافت أن النبي ﷺ قال ما معناه إن المؤمن مرآة لأخيه؟ ولذلك، فهذا أيضًا نشاط ذو طابع إسلامي واضح، والأمل هو أن نتمكن، من خلال معرفتنا وخبرتنا، من أن نكون، من بعض النواحي، مرآة أكثر دقة من تلك الانعكاسات التي ربما اعتاد عملاؤنا تلقيها من آبائهم أو من البيئات التي نشؤوا فيها».
وقد ظهرت استعارة المرآة في دراسة Rothman & Coyle (2018)، حيث أشار المشاركون من العلماء إلى فكرة أن نفس الإنسان تشبه مرآة يمكن أن تعكس نور الله. واستُخدمت هذه الاستعارة في الإشارة إلى إمكانية أن يقوم الشخص بـ«صقل مرآته» من خلال تزكية النفس، وبذلك يعكس نور الروح في نفسه، وكذلك إلى إمكانية أن يعكس الشخص لصاحبه حال نفسه.
جهاد المعالجين لأنفسهم وتزكيتها
نظرًا إلى تصور المعالجين لدورهم بوصفهم «مرآة مهنية»، فقد رأى معظمهم أن من المهم جدًا أن يعمل المعالج على صقل مرآته، حتى يتمكن من أن يقدم لعملائه انعكاسًا واضحًا ودقيقًا.
وكما أوضحت دراسة روثمان للنموذج الإسلامي للنفس، فإنه عندما ينخرط الشخص في عملية صقل مرآته ويسعى إلى إزالة ما تراكم على النفس من شوائب مرتبطة بالدنيا، فإن ذلك يرتبط بصورة صريحة بمفهوم تزكية النفس.
تقول معالجة: «لقد عبّر يونغ بالتأكيد عن هذا الأمر عندما قال، على سبيل المثال، إن المؤهل الوحيد للمعالج هو أن يعرف نفسه؛ أي أن يكون، من حيث الواقع، قد خضع للتحليل، وأن التدريب بعد ذلك لا تكون له أهمية تُذكر».
خاتمة
ليس من السهل رسم حدود دقيقة بين الإرشاد الروحي الإسلامي والإرشاد النفسي القائم على تصور إسلامي للإنسان، إذ يظل الفصل بينهما محفوفًا بجملة من الاعتبارات والاستثناءات. وقد رأى معظم المشاركين أن قدرًا من التداخل بين المجالين ليس مقبولًا فحسب، بل قد يكون ضروريًا؛ لأن العلاج النفسي الإسلامي، إذا عُزل عن البعد الروحي، فلن يعدو أن يكون علاجًا نفسيًا يُقدَّم لمسلمين.
ويختلف دور المعالج النفسي الإسلامي الذي يعمل ضمن إطار إسلامي عن دور المعالج النفسي العلماني في أن العالم الداخلي الذي يدعو العميل إلى استكشافه لا يقتصر على العمليات الذهنية والعمليات المعرفية، بل يشمل تصورًا كليًا للإنسان ويتضمن استكشاف النفس.
ومع ذلك، تظل الحاجة إلى الحذر قائمة، ولا سيما عند التعامل مع الروح ومحاولة فهمها بوصفها الصلة الأعمق بحقيقة النفس في علاقتها بالله.
وقد يكون من المفيد هنا الاستعانة ببعض المفاهيم التي نجدها في كتاب أبي حامد الغزالي من القرن الحادي عشر إحياء علوم الدين، ففي هذا الكتاب، ناقش الغزالي عملية بلوغ الصحة أو العافية النفسية-الروحية، وأشار إلى ضرورة تنمية الوعي بالذات أو الانكشاف.
وفي التراث الإسلامي، يشير هذا المفهوم إلى أن وعي الإنسان بأوجه النقص في نفسه يمكّنه من التعرف إلى الجوانب التي تحتاج إلى إصلاح وتهذيب، والعمل على تقويمها حتى تستعيد توازنها، بما يفضي إلى الاتزان ومن ثم إلى العافية النفسية والروحية (Keshavarzi and Khan, 2018).
ويشير الغزالي إلى وجود طريقتين لاكتساب هذا النوع من الوعي بالذات: إما اتخاذ شيخ، أو اتخاذ «صاحب صالح» يمكنه المساعدة في تيسير عملية الاكتشاف الداخلي التأملي للذات.
ويعني وضع الإنسان نفسه تحت إشراف شيخ التزامًا منضبطًا بالتعلم والتطور تحت التوجيه. ويتجه هذا المسار نحو عملية متقدمة من الوعي بالذات، تتوجه إلى معرفة داخلية عميقة بذات الإنسان أو نفسه، بهدف السعي نحو المراحل الأعلى من النفس (Al-Shabrawi, 2009).
غير أن هذا المسار قد لا يكون عمليًا لكثير من الأشخاص الذين يعانون جوانب أكثر أساسية مرتبطة بمحن الحياة اليومية واختلالاتها. والبديل عن ذلك ليس أن يحاول الشخص «سلوك الطريق بمفرده»، إذ شدد كثير من العلماء على ضرورة وجود الإشراف في طريق التطور الروحي (Ar-Razi, 2007; Badri, 2013; Hermansen, 1988; Keshavarzi and Haque, 2013).
ويرى الغزالي أنه في مثل هذه الحالة ينبغي للمرء أن: «يلتمس صاحبًا صالحًا، عارفًا بأسرار هذا الأمر، ويجعله رقيبًا على نفسه، يلاحظ أحواله وينبهه إلى عيوبه».
وينبغي لهذا الشخص أن يمتلك قدرًا من المعرفة بخريطة الحياة الداخلية للإنسان وبعملية التطور الذاتي والروحي.
وكان رأي الغزالي أن هذا «الصاحب الصالح»، وإن لم يبلغ منزلة الشيخ، فإن وجود صاحب ربما يكون قد سلك طريق التطور الروحي ببعض الجهد وحقق فيه قدرًا من النجاح يُعد البديل الأفضل بعد الشيخ.
وما طرحه الغزالي هنا يفتح الباب أمام تصور دور المعالج داخل التراث الإسلامي بمصطلحات يمكن التعرف إليها بوصفها إسلامية، مع بقائها متميزة عن دور شيخ التصوف (Khan, Keshavarzi and Rothman, 2020).
غير أنه لكي يتمكن المعالج من أداء دور «الصاحب الصالح»، تصبح حالته الروحية ذات أهمية؛ إذ يحتاج المعالج إلى اكتساب المعرفة الإسلامية بالنفس، لا من الناحية النظرية فقط، بل بوصفها معرفة خبرية قائمة على التجربة.
تتمثل المساهمة الرئيسة الثانية هنا بلورة تصور للنطاق السريري للعلاج النفسي الإسلامي في تحديد موضع الجزء الأكبر من التركيز العلاجي بين مرحلتي النفس الأمّارة بالسوء والنفس اللوّامة.
وإضافة إلى ذلك، يفترض النموذج القائم على الخبرة أن مرحلة النفس اللوّامة هي المرحلة التي يركز فيها المعالج النفسي الإسلامي منهجه السريري، بهدف مساعدة العميل على التقدم بصورة أعمق داخل هذه المرحلة، لأنها المرحلة التي يمكن عندها تحقيق هدف الاتزان النفسي-الروحي.
وعلى الرغم من أن باحثين آخرين حددوا أن هدف المعالج النفسي الإسلامي يتمثل في مساعدة العميل على بلوغ الاتزان/الاعتدال (انظر Keshavarzi and Khan, 2018)، فإنه لم يُوضَّح من قبل بصورة جلية كيف يحدث ذلك أو أين يقع تحديدًا في إطار النموذج الإسلامي للنفس.
ومن الجوانب الأخرى المتعلقة بمراحل النفس، والتي جرت الإشارة إليها في الأدبيات دون أن تحظى بمعالجة أو فهم كافيين، كيفية التعامل مع مرحلة النفس المطمئنة (nafs al-muṭmaʾinnah).
وكما أشار Keshavarzi and Khan (2018)، وKhan, Keshavarzi and Rothman (2020)، وغيرهم، يُنظر إلى هذه المرحلة عمومًا على أنها تقع خارج نطاق العلاج النفسي، أو حتى خارج متناول معظم الناس بوجه عام.
ومع أن هذا التصور حظي بتأييد كثير من المعالجين في هذه الدراسة، فقد رأى آخرون فائدة في استحضار هذه المرحلة، ووصفوا طريقة يمكن من خلالها التعامل معها، ولو في حالات معينة فقط.
وفي مثل هذه الحالات، اعتُقد أن إدخال الممارسات الإسلامية التقليدية مثل المراقبة والتفكر يمكن أن يساعد العملاء على تنمية قدر من الألفة مع هذه المرحلة الأعلى من النفس، التي تُعرَّف وتُختبر بوصفها «النفس المطمئنة».
ويقدم ذلك مثالًا على الكيفية التي كان يُعتقد أنه يمكن من خلالها تهيئة النفس للانتقال من مرحلة إلى أخرى.
المصدر:
Abdallah Rothman and Adrian Coyle, “The Clinical Scope of Islamic Psychotherapy: A Grounded Theory Study,” Spirituality in Clinical Practice, Vol. 10, No. 1 (2023), pp. 4–19, DOI: 10.1037/scp0000282.


جزاكم الله خيراً على النقل الماتع المفيد، بالمناسبة لدكتور عبدالله روثمان دبلومة في علم النفس الإسلامي بكلية كامبريدج وهي متاحة أونلاين، وهناك فرص للحصول على منح كذلك لمن أراد أن يتفقدها. ستكون مفيدة جدا للعاملين بالمجال ..
جزاك الله كل خيرا