الغلط في فهم التشخيصات النفسية
بقلم: الدكتور أويس أفتاب (طبيب نفسي وأستاذ سريري مشارك في الطب النفسي)
غالبًا ما يسألني مرضاي عمّا إذا كنت أعتقد أنهم يعانون اضطرابًا نفسيًا بعينه، كاضطراب ثنائي القطب، أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، أو التوحّد. والطريقة التي يُطرح بها السؤال توحي بأنهم يتصورون أن الطبيب النفسي قادر على اكتشاف خصائص خفية في الدماغ، على نحو يشبه اكتشاف طفرة جينية أو عدوى بكتيرية في سائر فروع الطب.
غير أن الواقع أكثر التباسًا وتعقيدًا. فعندما يقول الطبيب النفسي لشخص ما: «أنت تعاني اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة»، فإن ما يعنيه في الغالب هو الآتي: بعد الإصغاء إلى المريض، ومحادثة من يعرفونه، وتأمل طريقته في التفكير والسلوك، تبيّن لي أن تجربته تندرج ضمن نمط متكرر من الصعوبات والسمات اعتاد الطب النفسي أن يطلق عليه هذا الاسم.
إنها أنماط تتكرر بين البشر بما يكفي لأن نرصدها وندرسها ونمنحها أسماء تساعدنا على التواصل واختيار العلاج، لكنها لا تكشف جوهر الإنسان، ولا تفسّر وحدها كيف يعمل دماغه أو من يكون حقًا!
ولسنوات طويلة، ظلّ الحديث العام عن الصحة النفسية محكومًا بتصنيفات «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية» الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي. وقد كانت هذه التصنيفات مفيدة في التواصل المهني، والتأمين الصحي، والدراسات السريرية، لكنها رسّخت لدى الناس انطباعًا مضللًا مفاده أن كل اضطراب نفسي كيان مستقل له حدود واضحة وماهية ثابتة.
غير أن الأبحاث المتراكمة في الوراثة العصبية، وتصوير الدماغ، ودراسة الشبكات العصبية، والنشاط الكهربائي للدماغ، تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا بكثير. فمع أن الاضطرابات النفسية ترتبط فعلًا بسمات بيولوجية معينة، فإن هذه السمات لا تتطابق بدقة مع التصنيفات التشخيصية المعروفة. فقد يتشابه شخصان وراثيًا إلى حد بعيد، ثم يُشخَّص أحدهما بالاضطراب ثنائي القطب والآخر بالفصام. كما أن فحوص الجينات أو صور الدماغ لا تستطيع أن تميّز على نحو حاسم بين المصاب بالاكتئاب أو التوحّد أو اضطراب نقص الانتباه وبين غيره.
ولا يعني هذا أن التشخيصات النفسية مجرد أوهام أو تسميات فارغة. فهي أدوات عملية تمنحنا لغة مشتركة لوصف أنماط حقيقية من المعاناة والاختلال، وقد تساعد في توجيه العلاج. لكن الأطباء، في الممارسة الفعلية، يستخدمونها بمرونة لا بوصفها حقائق نهائية قاطعة.
والمشكلة تبدأ حين تتحول هذه التصنيفات إلى اللغة الوحيدة التي نفهم بها النفس البشرية، وحين يُخيَّل إلى الناس أنها تفسّر الإنسان تفسيرًا كاملًا. عندها تصبح صورة العقل الإنساني أكثر تبسيطًا مما تحتمله الحقيقة.
وهذا ما أودّ أن يعرفه مرضاي:
١- أعراض الاضطرابات النفسية لا تنقسم إلى حدود فاصلة
تشير الأبحاث إلى أن السمات والأعراض النفسية تتوزع بين البشر على نحو متصل، تمامًا كالذكاء والطبع والقدرات المختلفة. ولذلك بدأ بعض الباحثين ينظرون إلى الاضطرابات النفسية باعتبارها درجات متفاوتة الشدة، لا حالات منفصلة يحضر فيها المرض أو يغيب بالكامل.
٢- الأعراض النفسية يتغذى بعضها من بعض
تفترض «نظرية الشبكات» في الطب النفسي أن المعاناة النفسية تنشأ أحيانًا من تفاعل الأعراض فيما بينها ضمن دوائر مغلقة. فالأرق قد يزيد القلق، والقلق قد يستنزف الطاقة، واستنزاف الطاقة قد يدفع إلى العزلة، والعزلة قد تُغرق الإنسان في أفكاره الكئيبة، وهذه الأفكار تعود فتزيد اضطراب النوم.
وغالبًا ما تبدأ هذه الحلقة بسبب ضغوط الحياة، لكنها قد تستمر حتى بعد زوال السبب الأول.
٣- الاضطرابات النفسية في بداياتها ليست محددة المصير
كما تمرّ أمراض الجسد بمراحل مختلفة، بدأ الباحثون يتحدثون أيضًا عن مراحل للمرض النفسي، تبدأ من الاستعداد والقابلية، وقد تنتهي إلى حالات مزمنة مقاومة للعلاج. لكن المسار ليس مستقيمًا ولا محتومًا. فالمراهق القَلِق قد يكبر ليعاني اضطراب قلق، أو اكتئابًا، أو إدمانًا، وقد يعيش حياة متوازنة تمامًا. ولهذا فإن الإصرار المبكر على وضع الإنسان داخل تصنيف صارم قد يكون مضللًا، لأن الأعراض النفسية بطبيعتها متغيرة وملتبسة.
٤- كثيرًا ما تعجز التصنيفات التشخيصية عن درك التفاعل بين خصائص المرء ومتطلبات حياته
فقد تجد امرأة ذات قابلية مرتفعة للقلق نفسها عاجزة عن التكيف مع بيئة عمل شديدة الضغط، أو رجلًا شُخّص في طفولته باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط لم يكن بحاجة إلى العلاج الدوائي لسنوات، حتى جعلته ضغوط العمل المزمنة والحرمان المستمر من النوم عاجزًا عن التركيز وتنظيم شؤونه اليومية.
ولا تمثل هذه الحالات، بالضرورة، اضطرابات داخلية مستقلة عن السياق، بل قد تعكس عدم توافق بين خصائص الفرد النفسية وقدراته من جهة، والمتطلبات التي تفرضها ظروفه الحياتية من جهة أخرى. وهي من أكثر الإشكالات شيوعًا في الممارسة الإكلينيكية للصحة النفسية.
٥- ليست كل الأعراض أمراضًا بالمعنى البسيط
لقد اعتدنا النظر إلى القلق والحزن بوصفهما خللًا ينبغي التخلص منه فورًا، مع أن كثيرًا من هذه المشاعر نشأ أصلًا بوصفه آليات دفاع ساعدت البشر على البقاء.
فالقلق، من منظور تطوري، ليس دائمًا عطبًا؛ إذ إن الإفراط في الحذر أقل خطرًا من الغفلة أمام تهديد حقيقي. والحزن قد يكون إشارة إلى أن شيئًا ما في حياة الإنسان يحتاج إلى مراجعة أو تغيير، كما يشير الألم الجسدي إلى الإصابة.
غير أن هذه الآليات قد تختل أحيانًا أو تستمر بعد زوال سببها، تمامًا كما قد يستمر السعال بعد الشفاء من العدوى.
٦- شخصية الإنسان تؤثر في شكل معاناته النفسية وعلاجها
في خبرتي السريرية، هنا تكمن الفروق الأهم بين الناس. فقد يعاني شخصان القلق نفسه، لكن لأسباب نفسية مختلفة تمامًا، وبحاجة إلى علاج مختلف أيضًا.
فقد يرتبط الهلع لدى أحدهما بخوف عميق من الهجر، بينما ينبع لدى الآخر من قسوة مفرطة في محاسبة الذات وشعور دائم بالخزي. بعض الناس أكثر ميلًا إلى لوم أنفسهم والتأثر بالفقد، بينما يتوق آخرون باستمرار إلى القرب والاهتمام والانتماء.
ولهذا كثيرًا ما أرى مرضى شُخّصوا، في مراحل مختلفة من حياتهم، بالاكتئاب عند طبيب، وبالاضطراب ثنائي القطب عند آخر، وباضطراب ما بعد الصدمة عند ثالث. ويصلون مرتبكين يسألون: ما الاضطراب الذي أعانيه فعلًا؟
والجواب الأقرب إلى الصدق هو: شيء من هذا كله، وليس أيًّا منه بالكامل.
فكل تشخيص يلتقط جانبًا من الحقيقة وقد يساعد في العلاج، لكنه لا يحيط بالطبيعة المتحركة والمتدرجة للنفس البشرية.
ليست المعاناة النفسية شيئًا بسيطًا يتصف به المرء أو لا، وليست النفس البشرية بهذه البساطة التي تجعلنا نقول: هذا مريض، وذاك معافى! إنها أنماط تتشكل من طبائعنا وتجاربنا وظروفنا، ثم تعود فتؤثر في الأشخاص الذين نصبحهم مع الزمن.
قد تبدو هذه الصورة أعقد من حكاية «الاختلال الكيميائي» أو «مرض الدماغ»، لكنها أقرب إلى الحقيقة. والحقيقة الصادقة هي ما يحتاجه الإنسان كي يفهم نفسه، ويجد طريقه وسط ما يعانيه.
صحيح أن هذه الرؤية أكثر تعقيدًا من السرديات المبسطة عن «الاختلال الكيميائي» و«مرض الدماغ»، لكنها أقرب إلى حقيقة ما يجري في النفس البشرية.
وفهم هذه الحقيقة هو ما يساعد الإنسان على أن يفسّر معاناته، وأن يجد سبيله لعبورها.
(ترجمة تقريبية لمقالة نشرت قبل ساعات في النيويورك تايمز)
https://www.nytimes.com/2026/05/11/opinion/adhd-autism-depression-diagnoses.html


رائع بحق!
أحسب أنَّه مع الوقت والتطور في الفهم وتزايد الدراسات لطبيعة هذه الأمراض وكيفية علاجها والمقارنة بين المدارس المختلفة يوشك أن يقل شغل الأطباء النفسيين Psychiatrists إلى حد قليل جدًا ويحل مكانهم المعالجون النفسييون Clinical psychologists
خاصَّةً وأنَّ مدارس العلاج النفسي كثيرة وتتطور وتزداد أبحاثها يومًا بعد يوم، والنظر إلى أن مشكلة الأمراض هي عضوية بشكل منفرد بدأت تقل أكثر من ذي قبل (أول ما انتشر في الوسط الطبي أن الأمراض النفسية ذات جذور عضوية في الخمسينيات من القرن الماضي)، والأحسن والذي أعتقد أنه الأنفع هو أن يبقى الفريقان يعملان مع التشديد في البدء في العلاج الدوائي والمرور على أكثر من مدرسة علاج نفسي قبل زج المريض إلى الطبيب النفسي ليصف له العلاج الدوائي إلا في الحالات الواضحة جدًا .. لكن ما نراه من استسهال وصف الأدوية للمريض يصيبني بالإحباط (وهو بالمناسبة أمر عالمي وليس خاصًّا بدولنا العربية) .. لست ضدَّ العلاج الدوائي ولكنه وحده لن يدوم نفعه للمريض طويلًا .. ولا بدَّ من علاج نفسي قائم على المدارس المختلفة لتحسين جودة حياة المصاب .. تقبل مروري أستاذنا الكريم
.وyp7h8⁸