أنا اسمي مكتوب !
إطلالة على دولة المخبرين في ألمانيا الشرقية
«هذه الملفات تغيّر حياة الناس. فقد كانت إحدى المراجِعات اللاتي استقبلتهن ترومبلمان مؤخرًا امرأةً سُجنت خمس سنوات في ظل النظام الشيوعي بسبب محاولتها الهرب إلى الغرب. ولما قرأت ملفها اكتشفت أن الرجل الذي كانت تعيش معه هو نفسه من وشى بها إلى جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية Stasi. وكانا لا يزالان يعيشان معًا. بل إنه تمنى لها في صباح ذلك اليوم نفسه يومًا سعيدًا وهي متجهة إلى الأرشيف. فما كان من المرأة إلا أن انهارت بين ذراعي السيدة ترومبلمان!».
اكتشف الكاتب البريطاني المرموق تيموثي غارتون آش أنه خضع لرقابة أمن الدولة في أثناء سفره إلى ألمانيا الشرقية في السابع من يناير/كانون الثاني 1980 بهدف إعداد أطروحة دكتوراه في أكسفورد عن برلين في عهد هتلر. وبعد أن تحققت الوحدة وانهار النظام هناك، فُتحت الملفات القديمة، ولا سيما ملفات جهاز أمن الدولة الداخلي «الستازي»، فهرع الناس ليطالعوا ما كُتب عنهم في التقارير الأمنية، ويكتشفوا هويات الذين وشوا بهم. وكما تُظهر الحكاية التي تصدرت هذه المقالة، كان الأمر صادمًا، ومثيرًا، ومؤلمًا في أحيان كثيرة.
وقد «تقدّم (إلى نهاية يونيو/حزيران 1996) أكثر من مليون رجل وامرأة - 1,145,005 شخصًا على وجه الدقة- بطلبات للاطلاع على ملفاتهم الشخصية. ومن بين هؤلاء، كان ما يقرب من 420 ألف شخص قد قرأوا ملفاتهم بالفعل، بينما علم أكثر من 360 ألفًا بقليل أنه لا وجود لأي ملف عنهم».
وفي مقر حفظ الملفات كانت الموظفة ترومبلمان وزميلاتها تشرح للراغبين بالاطلاع طبيعة هذه الملفات قبل أن تُجلسهم في قاعة المطالعة، «وكانت تبقى قريبة منهم لتواسيهم أثناء قراءتها. لكن العبء النفسي الواقع عليها كان كبيرًا. فقد كانت تعاني مشكلات في عينيها وقلبها. فكيف يمكن للمرء أن يتعامل مع السم كل يوم من دون أن يتسمم هو نفسه؟».
وبعد اكتشاف تيموثي آش للملف قرر أن يدقق ويحقق في أمر الوشاة وكتاب التقارير في الملف، فحاول تعقّب كلٍّ من المخبرين والضباط الذين تولوا قضيته، وقارن سجل الشتازي بذكرياته الشخصية، وبالمذكرات والملاحظات التي دوّنها آنذاك، وبالتاريخ السياسي الذي كتبه لاحقًا عن تلك الفترة.
وقد وجد أنه ملف صغير الحجم، فهو يقع في مجلد يتكون من 325 صفحة فحسب، يقول: «في الواقع، يعدّ ملفي متواضعًا جدًا مقارنة بملفات كثيرين غيري. فما قيمة المجلد الوحيد الذي أملكه مقارنة بـ30 مجلدًا الخاصة بالكاتب يورغن فوكس؟ وما قيمة صفحاتي الـ325 مقارنة بـ 40000 صفحة التي خصصوها للمغني المعارض فولف بيرمان؟!»، ونحن نعرف أن الأديب الألماني الحائز على جائزة نوبل غونتر غراس رفض الاطلاع على ملفه، الذي بلغت صفحاته نحو 1200 صفحة، ويقال بل 2200 صفحة.
وهذه الوفرة الهائلة من الوثائق الأمنية تعتمد على ما تسميه الشتازي «المتعاونين غير الرسميين» وهم الأهم للجهاز، فقد كانت أعدادهم هائلة؛ «فوفقًا للسجلات الداخلية، كان لدى وزارة أمن الدولة عام 1988 أكثر من 170 ألف متعاون غير رسمي. ومن بين هؤلاء، كان نحو 110 آلاف مخبرٍ نظامي، بينما كان الآخرون يؤدون خدمات «تآمرية» أو سرية، مثل إتاحة شققهم لعقد اجتماعات سرية، أو كانوا ببساطة مُدرجين بوصفهم جهات اتصال موثوقة. أما الوزارة نفسها، فكان يعمل فيها أكثر من 90 ألف موظف بدوام كامل، ولم يكن ضمن جهاز الاستخبارات الخارجية (HVA) سوى أقل من 5 آلاف منهم.
وإذا ما قورِن هذا العدد الإجمالي بعدد السكان البالغين في العام نفسه، وهذا يعني أن واحدًا من كل 50 بالغًا في ألمانيا الشرقية كان مرتبطًا بصورة مباشرة بجهاز الشرطة السرية. وإذا احتسبنا فردًا واحدًا من أسرته أو من يعولهم، فإن أثر هذه الشبكة كان يمسّ واحدًا من كل 25 شخصًا.ولم يعرف النظام النازي شيئًا يضاهي هذا الاتساع في شبكة المخبرين والمتعاونين!».
على غلاف ملف آش نجد الرمز «OPK» وهو اختصار لعبارة Operative Personenkontrolle، أي «المراقبة العملياتية للشخص». ووفقًا لطبعة عام 1985 من «قاموس العمل السياسي–العملياتي» الذي أعدّته المدرسة العليا القانونية التابعة لوزارة أمن الدولة، فإن «المراقبة العملياتية للشخص» كانت تهدف إلى تحديد أي شخص قد يكون ارتكب جريمة بموجب قانون العقوبات، أو قد تكون لديه «مواقف عدائية سلبية»، أو قد يكون عرضة للاستغلال من قبل العدو لأغراض معادية. ويوضح القاموس أن الغرض الأساسي من ملف الـOPK هو الإجابة عن السؤال: «من هو هذا الشخص حقًا؟» أو حرفيًا: «من يكون من؟» (Who’s who?). ويبدأ كل ملف بـ«تقرير افتتاحي» و«خطة عمل».
انغمس تيموثي آش في ملاحقة هذه التفاصيل وملاحقة أولئك الذين وشوا به، وكانت ردود فعلهم مختلفة؛ فبعضهم أنكر ثم اعترف -ويبدو أن هذه هي ردة الفعل المعتادة في مثل هذه الأمور- وبعضهم كان يحاول أن يبرر لنفسه، كتب عن ميكاييلا وهي أكثر المخبرين اجتهادًا في حقه، وهي زوجة «دكتور غيورغ»، مديرة معارض فايمار للفنون:
«أعطيتها نسخًا مصوّرة من التقارير، فبدأت تقرؤها. وقد هزّها ما وجدته فيها من تفاصيل، وما ورد فيها من معلومات عن زوجها.سألتها كيف كانت المقابلات تسير عادة. هل كان «ديتر» أو «هاينتس» يحملان دفتر ملاحظات؟ فأجابت: «نعم، نعم، كان لديهما دفتر مفتوح، وكانا يدوّنان كل شيء بعناية شديدة. وفي الحقيقة، كان المرء يتعاون معهما. فقد كان ذلك واجبًا عليه. وكان المرء يحاول أن يقدّم أكبر قدر ممكن من التفاصيل غير المؤذية. ثم إن المرء كان يعتقد أنهما قد يساعدانه في عمله. وأحيانًا كانا يساعدان فعلًا؛ في مشكلات تتعلق بتراخيص البناء مثلًا، وأمور من هذا القبيل. كانت الشتازي تتدخل لتسهيل إنجاز الأمور!».
وكعادتها، فإن هذه الأجهزة لا تترك العملاء لا سيما بهذه الأعداد الكبيرة وبهذا الاتساع والتداخل والتشابك؛ بلا تدقيق وملفات خاصة، فكان تيموثي آش، بوصفه باحثاً، لديه القدرة على الاطلاع على ملفات العملاء والمخبرين أنفسهم، ولم تكن هذه متاحة لعموم الناس بل للباحثين، وكان كل ملف يحتوي على ثلاثة أقسام:
الأول يوثّق السيرة الذاتية للمخبر والطريقة التي نجحت بها الشتازي في كسب تعاونه، وصولًا إلى التعهد الخطي بالعمل مخبرًا، بما في ذلك اختياره الشخصي لاسمه الحركي، ثم سجله اللاحق، متضمّنًا نسخًا مصورة من مراسلاته الخاصة، ومعلومات قدّمها عنه مخبرون آخرون، وملاحظات بشأن أي مخاوف كانت لدى الشتازي حول مدى موثوقيته.
القسم الثاني: يضم حصيلة عمله: ملاحظات تفصيلية يدوّنها ضابط الشتازي المسؤول عنه بشأن المعلومات التي يقدّمها خلال الاجتماعات الدورية، والتي كانت تُعقد عادة في «شقق سرية»، إضافة إلى تقاريره المكتوبة بخط يده، والتقييمات السنوية لعمله، وخطط العمل اللاحقة، وما إلى ذلك.
والقسم الثالث يحتوي على إيصالات جميع النفقات و«المكافآت» التي كانت تُدفع له.
على الصعيد الشخصي، كنت دائماً أشعر بنفور عميق من التفسيرات الثقافوية المسرفة التي تتجاهل العوامل المركبة والمعقدة، وتنسب طبيعة القمع أو الأنظمة، أو طبيعة الأداء الأمني والسياسي لدول العالم الثالث إلى أسباب ثقافية كالعقل العربي أو القبيلة أو الدين، وكان دائماً يحضر في ذهني نموذج أمن الدولة في ألمانيا الشرقية كبرهان لدحض الثقافوية؛ ففي معقل الثقافة الأوروبية والتحضر الحداثي، نشأت أكثر الأنظمة تعقيداً وبيروقراطية على مستوى الرقابة والقمع والتجسس والملاحقة، وإدارة هذه الكتلة المرعبة من كتائب المخبرين.
لكن أيضًا، هذا لا يعني إنكار الميزة الأساسية التي أشار إليها عمرو بن العاص رضي الله عنه حينما قال عن الروم «إنَّ فيهم لَخِصالًا أربعًا… [ثم قال] وخامسةٌ حسنةٌ جميلةٌ: وأمنعُهم من ظلم الملوك»؛ فبمجرد سقوط هذا النظام هبَّ الناس للحفاظ على هذا الإرث الأسود لهذه المنظومة الأمنية القمعية ولحفظه، ولا زال محفوظاً في برلين في ألمانيا إلى هذه اللحظة.
ويشير آش إلى بعض الباحثين والمؤرخين الذي كانوا في قسم الأبحاث Forschungsabteilung وهي وحدة البحث العلمي التابعة للهيئة الاتحادية لسجلات جهاز أمن الدولة السابق في ألمانيا الشرقية (BStU)، المعروفة شعبياً باسم «سلطة غاوك». ومهمتها دراسة وتوثيق تاريخ جهاز الشتازي وبنيته وأساليبه وتأثيره بالاعتماد على أرشيف ملفات الجهاز الذي حفظته الهيئة بعد إعادة توحيد ألمانيا.
يقول عنهم: «جاء عدد منهم من معهد التاريخ المعاصر في ميونخ، المعروف بدراساته عن النازية. كانوا رجالًا مثقفين ليبراليين، في الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر، يتعاملون مع التاريخ كما يتعامل اختصاصيّو التشريح مع الجسد؛ يفحصونه بدقة ويكشفون خباياه. وقد صقلت خبرتهم المهنية بدراسة بقايا الغيستابو ووحدات الـSS وآثارهما.
أما قصتهم الشخصية فهي بدورها قصة ألمانية بامتياز: أن تمضي النصف الأول من حياتك المهنية في دراسة ديكتاتورية ألمانية، ثم تمضي النصف الثاني في دراسة ديكتاتورية ألمانية أخرى، بينما تعيش طوال ذلك الوقت في ظل ديمقراطية ألمانية مستقرة ومزدهرة. وكل من يعمل مباشرةً على هذه الملفات يمتلك معرفة استثنائية. ومع ذلك، فمهما بلغ العاملون فيها من رصانة ومسؤولية، ومهما اتسمت الإجراءات والأجواء العامة بالجدية والانضباط، يبقى في الاطلاع على هذه التفاصيل الحميمة من حياة الآخرين شيءٌ من فضول المتلصص وإثارته!».
كيف يمكن التعامل مع الإرث الصعب والمؤلم كما يتمثل في المحتوى الذي تحمله هذه الملفات؟ يتأمل آش في ذلك ويكتب:
«تقف مدرستان من الحكمة القديمة متقابلتين على جانبي وادي الملفات:
فمن جهة، هناك الحكمة القديمة للتقليد اليهودي: أن التذكّر هو سرّ الخلاص. وهناك أيضًا حكمة جورج سانتايانا، التي كثيرًا ما يُستشهد بها في الحديث عن النازية: (إن الذين ينسون الماضي محكوم عليهم بتكراره).
ومن الجهة الأخرى، هناك البصيرة العميقة للمؤرخ إرنست رينان، القائلة إن (كل أمة هي جماعة تقوم في آن واحد على ذاكرة مشتركة ونسيان مشترك). ويكتب رينان: «إن النسيان -بل وأقول حتى الخطأ التاريخي- عنصر أساس في تاريخ الأمة!».
وثمة حكمة حقيقية في كلا الموقفين، لكن هاتين الحكمتين لا يمكن التوفيق بينهما بسهولة.
وأقرب ما أستطيع الوصول إليه هو وصفة تتدرج عبر الزمن:
اكتشف الحقيقة> سجّلها> تأملها> ثم امضِ قدمًا.
هذه هي الصيغة الأقل سوءًا التي أعرفها لتحقيق الحقيقة والمصالحة: بين الشعوب (البولنديين والألمان، والإنجليز والأيرلنديين)، وبين الشعب ونفسه (الجنوب أفريقيين مع الجنوب أفريقيين، والسلفادوريين مع السلفادوريين)، وبين الرجال والنساء أفرادًا، بل وبين الإنسان ونفسه!».
في المحصلة، كنت أظن أني سأجد الكتاب أكثر إمتاعًا، ولكن يبدو أن مهنة التاريخ تغلب على المؤلف أكثر من غيرها. ولكن يشفع له أن يضم معلومات وتفاصيل كثيرة مهمة ولافتة للانتباه، تكشف عن طبيعة النظام الذي كان يحكم ألمانيا الشرقية في تلك الحقبة.







تدوينة ثرية أ. عبد الله، جاءت بعد انتهائي من مشاهدة أنمي مونستر :)، الذي تجري أحداثه في ألمانيا بعد الوحدة، ويتعقّب أثر الأنظمة الشمولية (تجربة ألمانيا الشرقية) في إنتاج الاختلالات الفردية والجماعية بشكل مؤسسي. وعلى الرغم من الصحة الجزئية للنقد الموجَّه نحو التجربة الشيوعية والسوفياتية تحديدًا بنسختها الستالينية، فهذا النقد في الوقت نفسه يغفل الفظائع التي يرتكبها النظام الرأسمالي، الشق الآخر من الثنائية، ولا أعني ما نشاهده على جلودنا من جرائم (ليس بدءًا من الحروب، ولا انتهاءً بالاستعمار الاقتصادي والثقافي)، بل حتى على مجتمعاتها أنفسها ومدى الجحيم النفسي الذي يتعرض له الأفراد المنخرطون في المنظومة الرأسمالية، والغربية عمومًا.
ما دفعني لهذا الاستطراد والربط الفقرة المهمة التي تفضلت بكتابتها حول الخلل الجذري الكامن في “التفسير الثقافوي”، وأعتقد أن من الضروري تكميل صورة النقد في التناول الغربي، بحيث نتجاوز الاختلال الحاصل بتعليق كل المصائب وعيوب على مشجب الاتحاد السوفياتي.
آسف للإطالة..