التفكير بالقلم !
«إن تدوين الملاحظات على الورق أو على شاشة الحاسوب... لا يجعل الفيزياء المعاصرة أو غيرها من مجالات النشاط الفكري أسهل، بل يجعلها ممكنة أساسًا... فبغضّ النظر عن كيفية تنفيذ العمليات الداخلية...؛ فإنك تحتاج إلى أن تدرك إلى أي مدى يعتمد العقل على الدعائم الخارجية».
(نيل ليفي، 2011)
(1)
لا تفزع، لن أكرر الحقائق المبتذلة عن الأهمية الساحقة للكتابة في العمل البحثي. وإنما سأصحبك إلى حالة بحثية فريدة نوعًا، ربما لم تسمع عنها.
ففي ستينيات القرن العشرين، كان الألماني نيكولاس لومان (1927-1998) موظفًا عاديًا في إحدى الدوائر الإدارية الألمانية، وقد اعتاد يوميًا بعد انتهاء عمله في الخامسة مساءً، أن يعود إلى منزله ليشرع في القراءة والبحث، وكان كلما صادف أمرًا لافتًا أو خطرت له فكرة بشأن ما يقرأ، دوّن ملاحظة، وبعد أن تراكمت لديه الملاحظات لاحظ أنه هذا الركام لا يفيد بهذا النحو، فقرر تطوير تصنيف لهذه البطاقات.
وضع لومان نظامًا دقيقًا لإدارة ملاحظاته يقوم على الفصل بين جمع المعلومات وتوليد الأفكار؛ إذ خصّص صندوقًا للمراجع يدوّن فيه البيانات الببليوغرافية على أحد وجهي البطاقة وملخصًا موجزًا للمحتوى على الوجه الآخر، ثم يعود إلى هذه الملاحظات ليقيّم أهميتها لعمله الفكري. وفي مرحلة لاحقة، ينقل ما يراه مهمًا إلى صندوقه الرئيسي، حيث يدوّن أفكاره وتعليقاته وتأملاته على بطاقات مستقلة، مخصصًا بطاقة واحدة لكل فكرة وعلى وجه واحد فقط لتيسير الرجوع إليها.
والمهم أنه لم يكن ينسخ الأفكار أو الاقتباسات فحسب، بل كان ينقلها من سياق إلى آخر، وطريقته التي تلفت الانتباه أنه لم ينظّم ملاحظاته/بطاقاته بحسب الموضوع، بل بطريقة تجريدية قائمة على إعطائها أرقامًا ثابتة، وإذا سجّل لاحظة جديدة بدا له أنها ترتبط بملاحظة سابقة أو تشير إليها مباشرةً، كتعليق أو تصحيح أو إضافة فإنه يضعها مباشرةً بعدها في الترقيم، أو ينشئ لها ترقيمًا متفرعًا، فإذا كانت الملاحظة السابقة تحمل الرقم 22، تصبح الجديدة رقم 23. وإذا كان الرقم 23 مستخدمًا، يُسمّي الملاحظة الجديدة 22a، وهكذا، ومن خلال المزج بين الأرقام والحروف، مع بعض الشرطات أو الفواصل، كان قادرًا على التفرّع إلى عدد غير محدود من سلاسل الأفكار. فعلى سبيل المثال، قد تحمل ملاحظة ما تخص موضوعًا هامًا الرقم 21/3d7a7، متبوعة بملاحظة تحمل الرقم 21/3d7a6.
وكلما أضاف ملاحظة، يراجع صندوقه بحثًا عن ملاحظات أخرى ذات صلة لربطها بها، ومن خلال هذه الروابط بين الملاحظات، استطاع لومان أن يدرج الملاحظة نفسها في سياقات متعددة. وهو يرى أن هذه العملية تعني ترابطًا بين قراءاته وكتابته للملاحظات الجديدة وتنظيم الأرشيف؛ «ولهذا السبب، عندما أقرأ، يكون في ذهني دائمًا سؤال حول كيفية دمج الكتب التي أقرأها في نظام ملء الملاحظات».
ومع الوقت تضخم هذا الصندوق، وتكاثرت البطاقات، وقرر يومًا جمع بعض هذه الأفكار التي أخذت تتشكّل بوضوح داخل الصندق، فحرر في ورقة بحثية، وقدّمها إلى عالم الاجتماع هيلموت شيلسكي (1912 – 1984)، فأعجب بها كما يبدو، واقترح على لومان أن يصبح أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة بيليفيلد التي كانت قد أُسِّست حديثًا، ولكنه لم يكن مؤهلًا بعد، فاتجه إلى صندوقه وعمل على إعداد أطروحة الدكتوراه (أو التأهيل) في أقل من عام، وفي عام 1968، أصبح أستاذًا لعلم الاجتماع في جامعة بيليفيلد، واستمر كذلك حتى وفاته.
(2)
ربما تتخيّل أن لومان خلد في كرسيه بعد التعيين، وأخذ يقلب أوراقه الصفراء أمام الطلاب حتى ملّوا، وواصل تكرار الأوراق نفسها كل عام، حتى بهت لونها. لا، تلك الورقة لم تكن سوى البداية، فقد نشر لومان نحوًا من 550 مقالًا علميًا وأكثر من 50 كتابًا طوال العقود التالية، وكثير منها مواد علمية رصينة ونالت الاهتمام والثناء، وليست كبعض المؤلفين الذين تعرف ممن لا يخجلون من مراكمة الهراء، لتكثير عناوين الكتب. ولذا فهو يعدّ حالة غير مسبوقة في تاريخ علم الاجتماع في القرن العشرين، والسبب الأساس في ذلك لا يعود إلى عبقرية نادرة، ولا ذكاء خارق، بل صبر عظيم، وجَلَد متواصل، حيث جمع لومان حوالي 90 ألف ملاحظة/بطاقة خلال مسيرته.
وهذا ما خلص إليه بحث عالم الاجتماع الألماني يوهانس ف. ك. شميدت عن نظام لومان البحثي، حيث تبين له أن «إنتاجيته لا يمكن تفسيرها إلا بتقنيته الفريدة في العمل»، لا سيما وأن لومان منذ عام 1985 على الأقل، كانت إجابته المعتادة عن سؤال كيف يمكن لأي شخص أن يكون بهذا القدر من الإنتاجية؟ هي: «أنا لا أفكر في كل شيء بنفسي؛ فالأمر يحدث في معظمه داخل صندوق البطاقات!»، ولذلك عرف ذلك بعض الباحثين المعاصرين، وكتب أحدهم:
«الذكاء ضروري للنجاح في المجال الأكاديمي والكتابة، لكن من دون نظام خارجي تُفكّر من خلاله وتُنظّم به أفكارك ومعلوماتك وحقائقك المجمّعة، أو من دون معرفة كيفية دمجه في روتينك اليومي العام، فإن العائق يكون هائلًا إلى درجة لا يمكن تعويضها بمجرد ارتفاع معامل الذكاء!».
وهو يعترف بطمأنينة أن صندوقه (zettelkasten) لم يكن أرشيفًا محضًا، بل كان بالنسبة له «شريكًا قويًا في التواصل»، وأنه «من المستحيل التفكير دون كتابة، على الأقل في حالة التفكير المعقّد، الشبكي!»، ويقول أيضًا أن هذا العدد الكبير والتنوع الواسع من المنشورات يستحيل تصورهما دون هذا النظام الأرشيفي، بل قال: «إن الأرشفة تستغرق من وقتي أكثر مما تستغرقه كتابة الكتب»، ويؤكد: «لولا هذه البطاقات، لما خطرت لي هذه الأفكار بمجرد التأمل. بالطبع، ذهني ضروري لتدوين الأفكار، لكنها لا يمكن أن تُنسب إليه وحده».
إن البراعة الأساسية في نظام لومان تتجلى في أن عملية استرجاع الملاحظات تولّد تفاعلات فكرية غير مقصودة أو متعمدة، فالترابط الكثيف يحّفز ظهور علاقات معقدة وجديدة بين الأفكار لم تكن مقصودة لحظة التدوين، وكذلك يؤدي البحث إلى تقاطع مسارات فكرية وتسلسلات كانت تسير بشكل متوازٍ دون التقاء، مما يتيح للباحث إعادة قراءة ملاحظاته القديمة في سياقات جديدة تمامًا.
(3)
لم يخترع لومان نظام البطاقات من الصفر كما نعرف، فقد كان «كَانَ أَبُو الْقَاسِمِ بن ورد (540 – 465هـ) لا يُؤتى بكتابٍ إلا نظرَ في أعلاه وأسفله، فإن وجد فيه فايدة نَقَلَهَا فِي أَوْرَاقٍ عِنْدَهُ، حَتَّى جَمَعَ مِنْ ذَلِكَ مَوْضُوعًا»، وكذلك الحال في تاريخ الباحثين الأعاجم، فكان هيغل (1770 - 1831) يجمع الأفكار والمقتطفات بشكل منهجي على بطاقات، وكان يحملها معه منذ أيام دراسته حين بدأ ذلك في سن الخامسة عشرة وحتى وفاته.
وكذلك كان كلود ليفي ستروس (1908 -2009) يعتمد على فهرس البطاقات:
«أتمكن من العمل من خلال تجميع الملاحظات؛ شيء عن كل شيء، أفكار تُلتقط بسرعة، ملخصات لما قرأته، مراجع، اقتباسات... وعندما أريد بدء مشروع، أسحب مجموعة من الملاحظات من مكانها وأتعامل معها كما لو كانت رزمة أوراق لعب. هذا النوع من العمليات، حيث يلعب الصدفة دورًا، يساعدني على إنعاش ذاكرتي المتداعية».
والأعجب رولان بارت (1915 - 1980)، حيث اكتشف أنه كان يعمل منذ عام 1942 حتى وفاته على كتابة بطاقات للملاحظات البحثية، فجمع أكثر 12 ألف بطاقة، وكان يعيد كتابتها وترتيبها باستمرار. كانت جميع هذه البطاقات تقريبًا، وهي بحجم ربع ورقة الرسائل، مكتوبة بقلم رصاص أو بحبر أزرق؛ وأحيانًا كانت كلمات أو عبارات تُشطب جزئيًا أو تُصحح. وكان بارت يميّز مجموعة من البطاقات ببساطة من خلال تدوين الفئة على بطاقة موضوعة عموديًا، ثم تتضمن البطاقات المستطيلة التي تليها اقتباسات أو ملاحظات أو رسومًا تخطيطية. وصف بارت طريقته قائلًا:
«أكتفي بقراءة النص المعني، وبطريقة أقرب إلى الفيتشية أدوّن بعض المقاطع، واللحظات، بل وحتى الكلمات التي تمتلك القدرة على التأثير فيّ. وبينما أمضي في القراءة، أستخدم بطاقاتي لتدوين الاقتباسات، أو الأفكار التي تخطر لي، وهي تأتي، على نحو غريب، منذ البداية بإيقاع الجملة، بحيث إن الأشياء، منذ تلك اللحظة، تبدأ بالفعل في اكتساب وجودها بوصفها كتابة».
ومن خلال اطلاعي على بعض المصادر، قال بعض الباحثين أن ممن اتبع طريقة كتابة الملاحظات والبطاقات في العلم والفن كثير، من أبرزهم: كونراد غيسنر (1516–1565)، ويواخيم يونغيوس (1587–1657)، وغيورغ فيليب هارسدورفر (1607–1658)، وغوتفريد فيلهلم لايبنتس (1646–1716)، ويوهان ياكوب موزر (1701–1785)، وجان بول (1763–1825)، وغيورغ فيلهلم فريدريش هيغل (1770–1831)، وهاينريش هاينه (1797–1856)، وفيلهلم غريم (1786–1859)، ويعقوب غريم (1785–1863)، وفالتر بنيامين (1892–1940)، وفرانتس أوفربك (1837–1905)، وجول فيرن (1828–1905)، وزيغفريد كراكاور (1889–1966)، وآبي فاربورغ (1866–1929)، وفلاديمير نابوكوف (1899–1977)، وآرنو شميدت (1914–1979)، ورولان بارت (1915–1980)، ومايكل إنده (1929–1995)، وهانس بلومنبرغ (1920–1996)، وإرنست يونغر (1895–1998)، وراينهارت كوسليك (1923–2006)، وفالتر كيمبوفسكي (1929–2007)، وفريدريش كيتلر (1943–2011).
(4)
يعتبر امبرتو إيكو (1932 - 2016) أن المدة الطبيعية لإنجاز الأطروحة تتراوح بين 6 أشهر إلى 3 سنوات كحد أقصى، أما إذا تجاوز الطالب 3 سنوات دون إنجاز، فإن ذلك يعود إما إلى أنه اختار موضوعًا يفوق قدراته، أو أن سعيه للكمال المفرط ومحاولة قول كل شيء أقعده، أو أنه أصيب (عصاب البحث)، أي التردد والتأجيل والشعور بعدم الرضا، مما قد يؤدي للفشل في إنهائها.
وهو يرى في كتاب شهير عن كيفية إعداد أطروحة الدكتوراه أن بطاقات القراءة «الأداة الأهم والأكثر حيوية؛ فهي الوعاء المعرفي الذي تُدوّن فيه بدقة كافة الإشارات المرجعية المتعلقة بكتاب أو مقال ما، مع تقديم موجز وافٍ لمحتواه، وانتقاء الفقرات الجوهرية، فضلًا عن إثبات الأحكام النقدية والملاحظات التحليلية الخاصة بالباحث»، ثم يسرد تجربته الشخصية في التعامل مع هذه البطاقات التي اتبعها أثناء إعداد أطروحته حول الجمالية عند توما الأكويني، فيقول أنه حدد تصنيفًا للبطاقات كالتالي:
1. بطاقة مرجعية مختصرة: تسجل فكرة أساسية عن مؤلف عند توفر المصدر.
2. بطاقة جدلية: تعبّر عن موقف نقدي أو انفعالي، وتُستخدم لإدخال الجدل في البحث.
3. بطاقة اطلاع سريع: تلخيص سريع لعمل غير مهم، للاستخدام في الهوامش.
4. بطاقة ملاحظات أولية: تسجيل أفكار تحتاج مراجعة لاحقة.
5. بطاقة مركّبة: تجمع بين القراءة والإحالة إلى مصادر أخرى (قريبة من بطاقة بيبليوغرافية موسعة).
6. بطاقة انتقائية: استخراج جزء محدد من كتاب دون قراءة كاملة.
7. بطاقة أساسية: مصدر مهم يُستفاد منه مباشرة في البحث.
8. بطاقة تصفية: لتسجيل أن مصدرًا ما غير مفيد لاستبعاده.
وقد يكون مبالغًا فيه، ولكني أوردته لإثبات أن المرونة الممكنة لكل باحث، لينسج بحسب ما يخطر له مما يناسب مزاجه البحثي، ويخدم سياقه العلمي الخاص.
(5)
إذًا، فهذه الطريقة تساعد كثيرًا في الإثراء البحثي، أياً كان أسلوب تنفيذها، من خلال:
أولاً تثبيت الأفكار، والإحالات، والمصادر، والمفاهيم الأساسية في المجال العلمي الذي يشتغل عليه البحث.
ثانياً، تسمح له بتطوير روابط وسياقات جديدة أو مختلفة.
ثالثاً، تساعد في السيطرة على التضخم المرضي للمعلومات، وتسهّل على المرء تصنيفها بحسب الأولوية والأهمية؛ دون الوقوع في فخ التسجيل المحض للملاحظات العامة أو الحشد الاعتباطي للاقتباسات.
رابعاً، وهذا هو المهم، أن هذه الطريقة أسلوبُ حياة وليست إنجازَ مهمة أطروحة علمية. بل في الحقيقة، إن فاعليتها الأساسية تكمن في كونها كذلك؛ لأن مجرد تجميع الملاحظات من أجل إنتاج أطروحة قد يمكن تنفيذه بطرق أخرى غير طريقة الملاحظات.
ولكن هذه الطريقة تجعل الباحث دائمًا يقف على أرضية من التشابكات والترابطات والمعلومات المركبة والمتداخلة والمؤسِّسة، إن صحّ التعبير، والتي يمكن من خلالها دائماً البناء في اتجاهات ومسارات وتفرعات جديدة، وليس البناء من الصفر.
ولذا من المتوقع أنها قد لا تلفت انتباه كثير من الباحثين، للأسف، الذين يرتبط انشغالهم البحثي بلحظة اضطرارية لإنتاج أطروحة بائسة تتناسب، بأقل قدر ممكن من المعايير، مع الجهة التي يتقدّم منها الطالب، ثم الانتقال إلى أعمال أخرى أو اهتمامات أخرى!



أشار زونكه أهرنز، في كتابه الرائع (كيف تدوّن ملاحظات ذكية) إلى بضعة تقنيات تفصيلية:
1. دوّن الملاحظات العابرة (السريعة).
احرص دائمًا على أن يكون لديك شيء تكتب به لتسجيل كل فكرة تخطر في ذهنك. لا تُفرِط في القلق بشأن كيفية تدوينها أو الوسيلة التي تستخدمها. فهذه مجرد ملاحظات عابرة، تذكيرات بسيطة بما يدور في ذهنك، ولا ينبغي أن تُسبّب أي تشتيت. اجمعها في مكان واحد تُحدده بوصفه «صندوق الوارد»، وتعامل معها لاحقًا. أنا عادةً أحمل معي دفترًا بسيطًا، لكنني أستخدم المناديل الورقية أو الإيصالات إذا لم يتوفر غيرها. وأحيانًا أسجّل ملاحظة صوتية على هاتفي. وإذا كانت أفكارك مرتبة مسبقًا ولديك الوقت، يمكنك تجاوز هذه الخطوة وكتابة الفكرة مباشرةً كملاحظة دائمة مناسبة لصندوق البطاقات.
2. دوّن ملاحظات على ما تقرأه.
كلما قرأت شيئًا، دوّن ملاحظات عن محتواه.
اكتب ما لا تريد نسيانه أو ما تظن أنك قد تستخدمه في تفكيرك أو كتابتك.
اجعلها قصيرة جدًا، وكن انتقائيًا للغاية، واستخدم كلماتك الخاصة.
كن أكثر انتقائية في الاقتباسات،
لا تنسخها لتتجنب عناء فهمها الحقيقي.
احتفظ بهذه الملاحظات مع البيانات الببليوغرافية في مكان واحد.
3. اكتب الملاحظات الدائمة.
الآن انتقل إلى صندوق البطاقات. راجع الملاحظات التي دوّنتها في الخطوتين السابقتين (ويُفضّل أن يتم ذلك يوميًا وقبل أن تنسى ما قصدته)، وفكّر في كيفية ارتباطها بما يهمك في بحثك أو تفكيرك أو اهتماماتك. يمكن إنجاز ذلك بسرعة من خلال النظر في صندوق البطاقات، إذ لا يحتوي إلا على ما يهمك أساسًا.
الفكرة هنا ليست الجمع، بل تطوير الأفكار والحجج والنقاشات. هل تُعارض المعلومات الجديدة ما لديك، أم تُصححه، أم تدعمه، أم تضيف إليه (سواء في صندوق البطاقات أو في ذهنك)؟ هل يمكنك دمج الأفكار لتوليد شيء جديد؟ ما الأسئلة التي تثيرها؟
اكتب ملاحظة واحدة فقط لكل فكرة، واكتب كما لو كنت تكتب لشخص آخر: استخدم جملًا كاملة، واذكر مصادرَك، وأدرج الإحالات، وحاول أن تكون دقيقًا وواضحًا وموجزًا قدر الإمكان. تخلّص من الملاحظات العابرة في الخطوة الأولى، وضع ملاحظات القراءة من الخطوة الثانية في نظام المراجع. يمكنك نسيانها الآن. المهم هو ما يدخل إلى صندوق البطاقات.
4. أضف ملاحظاتك الدائمة إلى صندوق البطاقات عبر ما يلي:
أ) ضع كل ملاحظة خلف ملاحظة أو أكثر ذات صلة (باستخدام البرامج يمكنك وضع ملاحظة «خلف» عدة ملاحظات؛ أما إذا كنت تستخدم الورق والقلم كما فعل لومان، فعليك اختيار الموضع الأنسب وإضافة روابط يدوية إلى الملاحظات الأخرى). حدّد الملاحظة التي ترتبط بها الجديدة مباشرة، أو إذا لم ترتبط بأي ملاحظة بعد ضعها خلف آخر ملاحظة.
ب) أضف روابط إلى الملاحظات ذات الصلة.
ج) تأكّد من أنك ستتمكن من العثور على هذه الملاحظة لاحقًا، إما بربطها بالفهرس، أو بربطها بملاحظة تُستخدم كنقطة دخول إلى موضوع أو نقاش، وتكون هذه الملاحظة نفسها مرتبطة بالفهرس.
5. طوّر موضوعاتك وأسئلتك ومشروعاتك البحثية انطلاقًا من داخل النظام (من الأسفل إلى الأعلى).
انظر إلى ما هو موجود، وما الذي ينقص، وما الأسئلة التي تنشأ.
اقرأ المزيد لتحدّي حججك وتقويتها، وعدّلها وطوّرها وفق المعلومات الجديدة التي تتعلمها.
دوّن المزيد من الملاحظات، ووسّع أفكارك، وانظر إلى أين تقودك.
اتبع اهتمامك، واختر دائمًا المسار الذي يعد بأكبر قدر من الفهم. ابنِ على ما لديك. حتى إن لم يكن لديك شيء بعد في صندوق البطاقات، فأنت لا تبدأ من الصفر؛ لديك بالفعل أفكار في ذهنك تحتاج إلى اختبار، وآراء تحتاج إلى مراجعة، وأسئلة تحتاج إلى إجابة.
لا تبدأ بعصف ذهني لاختيار موضوع. بل انظر إلى صندوق البطاقات لترى أين تطورت سلاسل الملاحظات وتجمعت الأفكار في عناقيد.
لا تتشبث بفكرة إذا بدأت فكرة أخرى أكثر وعدًا في التقدّم.
كلما ازداد اهتمامك بشيء، قرأت عنه أكثر، وفكرت فيه أكثر، وجمعت ملاحظات أكثر، وزادت احتمالية توليد أسئلة جديدة منه. وقد يكون هذا هو ما اهتممت به منذ البداية، لكن الأرجح أن اهتماماتك ستتغير؛ وهذا هو جوهر الفهم العميق.
6. بعد فترة، ستتطور أفكارك بما يكفي لاختيار موضوع للكتابة.
سيكون موضوعك الآن مبنيًا على ما لديك، لا على افتراض غير مؤكد عما قد تقدمه لك المصادر التي لم تقرأها بعد. استعرض الروابط، واجمع كل الملاحظات ذات الصلة بهذا الموضوع (وسيكون معظمها مرتبًا جزئيًا بالفعل)، وانسخها إلى «سطح المكتب» لديك ثم رتّبها.
ابحث عمّا ينقص وما هو زائد. لا تنتظر حتى يكتمل كل شيء. بل جرّب الأفكار، وامنح نفسك وقتًا كافيًا للعودة إلى القراءة وتدوين الملاحظات لتحسين أفكارك وحججك وبنيتها.
7. حوّل ملاحظاتك إلى مسودة أولية.
لا تنسخ ملاحظاتك مباشرة في مخطوطة. بل حوّلها إلى نص مترابط، وأدرجها ضمن سياق حجتك، مع بناء هذه الحجة في الوقت نفسه انطلاقًا من الملاحظات. اكتشف الثغرات في حجتك، واملأها أو عدّل حجتك.
8. حرّر مخطوطتك وراجعها.
تصدق شفتك ف حلمي، وانا ماعرفك اصلاً بس شفت حسابك كم مره.