الإزهار المتأخّر
ثمانية أسرار من حيوات الذي تعثروا في البدايات وتألقوا لاحقًا
بالنسبة إلى كثير من الناس، تكون المواهب التي تظهر في أواخر العمر أعمق أثرًا وأكبر قيمة من المواهب التي تبكر في الظهور. فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون دنماركيون عام 2019 أن الفائزين بجائزة نوبل توصّلوا -في المتوسط- إلى أهم اكتشافاتهم في سن الرابعة والأربعين. ويبدو أن حتى الأذكياء جدًا يحتاجون إلى عقدين على الأقل حتى يبلغوا التمكّن الحقيقي في مجالاتهم!
ووجدت دراسة نُشرت في المجلة الاقتصادية الأمريكية أن متوسط عمر رائد الأعمال خمسة وأربعون عامًا، وأن فرص نجاح الشركات الناشئة ترتفع بوضوح بين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين، ثم تواصل ارتفاعها حتى ما بعد الخمسين. فمؤسس الشركة التقنية في الخمسين تزيد احتمالات نجاحه على مؤسس في الثلاثين بمرتين.
لماذا يبلغ بعض الناس ذروة نضجهم ونجاحهم في وقت متأخر؟
في كتابه المتألقون متأخرًا، يشير الصحفي ريتش كارلغارد إلى أن هذا السؤال ينطوي في الحقيقة على سؤالين: لماذا لم يزدهر هؤلاء مبكرًا؟ وما الصفات أو المهارات التي امتلكوها حتى استطاعوا أن يزدهروا متأخرين؟
ويتبيّن أن المتأخرين في التألق ليسوا متفوقين مبكرين تأخر موعدهم فحسب؛ بل إنهم غالبًا يملكون طرازًا مختلفًا من القدرات، وهي قدرات لا يلتفت إليها نظامنا التعليمي [الأمريكي]، أو لا يشجّعها. ولذلك يضطر كثير منهم إلى أن يشقوا لأنفسهم طرقًا خاصة. ويكتب كارلغارد أن هؤلاء «يحققون إمكاناتهم غالبًا بطرائق جديدة وغير متوقعة، حتى إنهم يفاجئون أقرب الناس إليهم».
وعند التأمل في التاريخ، تلوح لنا أنماط شتى للإنجاز:
أولها نمط المتفوقين المبكرين، أو النوابغ الذين تظهر مواهبهم في سن صغيرة. ومن هؤلاء بابلو بيكاسو وفرنسيس سكوت فيتزجيرالد، فقد بلغا النجاح في وقت مبكر. وكما أشار الاقتصادي ديفيد غالنسون من جامعة شيكاغو، فإن هؤلاء يحققون عادة وثبة فكرية واضحة: يبتكرون فكرة جديدة ثم يمضون إلى تنفيذها.
وهناك فئة أخرى يمكن أن نسمّيها «أصحاب القمّة الثانية»، ويمثلها مثلًا ألبرت شفايتزر. فهؤلاء يبلغون أولًا قمة النجاح المهني؛ فقد كان شفايتزر موسيقيًا وعالمًا مرموقًا. لكنهم لا يجدون في ذلك النجاح ما يشبع أرواحهم، فيغادرون «قمة المهنة» إلى خدمة الإنسان. أي إن بنية دوافعهم تتحول من التحصيل الشخصي إلى البذل والإيثار. وقد أصبح شفايتزر طبيبًا في أفقر مناطق أفريقيا، ونال جائزة نوبل للسلام عام 1952 تقديرًا لعمله الإنساني.
وأخيرًا هناك من يسميهم غالنسون «أصحاب الإتقان». ففي كتابه الأساتذة الكبار والنوابغ الصغاريتحدث عن أناس مثل بول سيزان وألفرد هتشكوك وتشارلز داروين، ممن لم يكونوا ناجحين نجاحًا كبيرًا في شبابهم، بل إن بعضهم لم يكن بارعًا أصلًا فيما كان يزاوله في بداياته. وكان يمكن لذلك أن يثبطهم، غير أنهم ظلوا يتحسنون.
هؤلاء لا يخططون مقدمًا كما يفعل أصحاب الأفكار الكبرى والاختراقات المفاجئة، بل ينظرون إلى حياتهم كلها كأنها سلسلة طويلة من التجارب. يجرّبون شيئًا فيتعلّمون، ثم يجرّبون غيره فيزدادون علمًا. ولا ينصب اهتمامهم على العمل المنجز في صورته النهائية، فقد يطرحونه أحيانًا بلا كبير اكتراث، بل على عملية التعلم نفسها: هل اقتربت أكثر من الفهم؟ هل صرت أقدر على الإتقان؟
إنهم يعيشون أعمارهم في تجربة طويلة من الخطأ والصواب؛ محاولة هنا وأخرى هناك، وتراكم بطيء للخبرة والمعرفة، حتى تبلغ أعمالهم ذروتها في مرحلة متأخرة من الحياة. إنهم، في عالم الإنجاز الإنساني، أشبه بالبطة القبيحة التي تتحول مع السنين إلى بجعة.
ولنتأمل الآن بعض الصفات التي تميّز المتأخرين في التفتح من المتفوقين المبكرين؛ تلك الصفات التي تجعلهم يتعثرون في مطالع العمر، ثم يسبقون غيرهم على المدى البعيد:
١- الدافع الداخلي
تقوم معظم مدارسنا ومؤسساتنا [الأمريكية] على الدافع الخارجي: إن اجتهدت كوفئت بدرجات أعلى، أو راتب أفضل، أو مكافآت أداء. ويستند هذا النظام إلى افتراض أن العمل في ذاته غير ممتع، وأن الناس لا ينهضون به إلا إذا وُضعت لهم حوافز من خارجه.
والذين ينسجمون مع هذه الأنظمة يكتسبون عقلية «جمع الأوسمة». فيبرعون في الامتثال لمعايير غيرهم، واتباع طرائق غيرهم، والسعي وراء أهداف غيرهم. وهم ينجحون غالبًا في تحصيل معدلات دراسية مرتفعة، لأن لديهم من الانضباط ما يعينهم على نيل أعلى الدرجات حتى في المواد التي لا تستثير اهتمامهم. ولهذا تقدرهم الشركات؛ فهم يحسنون إنجاز ما يوكل إليهم من مهام بكفاءة.
أما أصحاب الدافع الداخلي فليسوا كذلك. فهم لا يحسنون توجيه انتباههم إلى ما يأمرهم الآخرون بالانتباه إليه. ولهذا السبب تحديدًا كان ونستون تشرشل طالبًا ضعيفًا. فقد كتب في سيرته: «إذا لم يستثر الأمرُ عقلي أو خيالي أو اهتمامي، فلن أتعلم، أو لعلني لا أستطيع أن أتعلم!».
لكن هؤلاء أنفسهم قد يبدعون في التركيز على ما يثير اهتمامهم حقًا. فأصحاب الدافع الداخلي يحتاجون حاجة شديدة إلى الاستقلال، وتحركهم فضولهم الخاص وهواجسهم الفكرية. وقوة هذا الدافع تطغى على الدوافع الأضعف التي تصنعها المكافآت الخارجية.
أما الذين تحركهم الدوافع الخارجية، فكثيرًا ما يسبقون غيرهم في مطالع الشباب؛ لأن المطلوب منهم في تلك المرحلة هو إرضاء المعلمين والمديرين ومن هم أكبر سنًا أو أعلى سلطة. لكنهم كثيرًا ما يفترون بعد أن يحققوا ذلك الهدف. وهم أميل إلى سلوك الطرق المختصرة إن كانت تبلغهم الغاية أسرع.
والأسوأ أن أبحاث علماء مثل عالم النفس إدوارد ديسي أظهرت أن الإفراط في مكافأة الناس من الخارج قد يضعف قدرتهم على الدافع الداخلي. فإذا دفعت للأطفال مالًا ليقرؤوا، فقد يقرؤون أكثر في المدى القصير، لكنهم مع الوقت قد ينظرون إلى القراءة كأنها عمل ثقيل ينبغي تجنبه. كما خلصت دراسة أجرتها مدرسة لندن للاقتصاد عام 2009، تناولت واحدًا وخمسين نظامًا من أنظمة الدفع مقابل الأداء في الشركات، إلى أن الحوافز المالية «قد يكون لها أثر سلبي في الأداء العام».
سألتُ ذات مرة مجموعة من الطلاب في في يومهم الأخير بجامعة مرموقة: أي كتاب غيّر حياتكم خلال السنوات الأربع الماضية؟ فخيّم صمت طويل مربك. ثم قال أحدهم: «عليك أن تفهم أننا لا نقرأ بهذه الطريقة، نحن نأخذ من كل كتاب ما يكفينا لعبور المقرر!».
كان هؤلاء الطلاب يسعون إلى أن يكونوا «جيدين بما يكفي» لنيل أوسمتهم، لكنهم لم يغوصوا في أي موضوع إلى الحد الذي يغيرهم. لم يحبوا التعلم لذاته، وهذا هو ما يحتاج إليه المرء إن أراد أن يواصل تثقيف نفسه عقدًا بعد عقد، وهو كذلك ما يحتاج إليه ليستمر في التقدم حين لا تعود الدنيا تكافئه بالدرجات الرفيعة والجوائز اللامعة.
أما أصحاب الدافع الداخلي، فهم على خلاف ذلك، يقودون أنفسهم بأنفسهم، وكثيرًا ما يبلغون حد الهوس بما يحبون. يغوصون في موضوع أو مهارة غوصًا عميقًا، ويجدون في التعلم أو العمل نفسه مكافأة كافية؛ ولذلك يقلّ ميلهم إلى التهاون واختصار الطريق. وقد كتب فنسنت فان غوخ، وهو مثال مبكر على من تأخر إزهارهم، إذ ظل يتخبط حتى أنجز معظم أعماله الكبرى في آخر عامين من حياته قبل موته في السابعة والثلاثين، إلى أخيه: «أنا أبحث. أنا أسعى. أنا منغمس في هذا بكل قلبي».
وفي كتاب الدافع، يرى الكاتب دانيال بنك أن نماذج التحفيز الخارجي تصلح حين تكون الأعمال رتيبة مملة تقنية. لكنه يستند إلى قدر واسع من الأبحاث التي تبين أن أصحاب الدافع الداخلي أكثر إنتاجًا، وأشد مثابرة، وأقل عرضة للاحتراق النفسي، وأنهم يتمتعون كذلك بقدر أعلى من العافية النفسية. ويخلص بنك إلى أن «أصحاب الدافع الداخلي يحققون، على المدى الطويل، إنجازات أكبر غالبًا من الباحثين عن المكافآت».
٢- الإخفاق المبكر
كثير من المتأخرين في التألّق لا ينسجمون مع الأنظمة القائمة. وبعبارة وليام ديريسيفتش، فهم لا يحسنون أن يكونوا «خرافًا مطيعة»، أي لا يجيدون اتباع القواعد التقليدية للنجاح. أو بعبارة أصرح: قد يكونون صعبي المراس.
فقد طُرد بكمنستر فولر من الجامعة مرتين، وخسر عمله في البناء وهو في الثانية والثلاثين، ثم راودته لاحقًا فكرة الانتحار حتى تعيش أسرته على مال التأمين. لكنه انتقل بعد ذلك إلى قرية غرينتش، وعمل مدرسًا في كلية بلاك ماونتن، ثم برز معماريًا ومصممًا ومفكرًا مستقبليًا، ونال وسام الحرية الرئاسي.
وغالبًا ما يتسم هؤلاء بروحٍ متمرّدة، ونفورٍ من الخضوع الأعمى للسلطة.
٣- الفضول المتشعّب
تدفع ثقافتنا الناس إلى التخصص المبكر: كن مثل تايغر وودز، الذي كان يضرب كرات الغولف منذ طفولته. ركّز على شيء واحد، وأتقنه بسرعة، سواء أكان الغولف أم الفيزياء أم الاستثمار. وفي الوسط الأكاديمي أيضًا يُكافأ التخصص الضيق: لا تكن باحثًا في تاريخ أوروبا، بل كن باحثًا في حياكة السلال الهولندية في القرن السادس عشر.
لكن الصحفي ديفيد إبستين، حين نظر في سير الرياضيين المحترفين، وجد أن معظمهم لم يكونوا مثل تايغر وودز، بل أقرب إلى روجر فيدرر، الذي مارس رياضات كثيرة في صباه. فقد مر هؤلاء بما يسميه الباحثون «مرحلة التجريب»، ثم حصروا اهتمامهم لاحقًا في رياضة واحدة.
يكتب إبستين أن الذين مروا بمرحلة التجريب انتهوا إلى نجاح أكبر على المدى الطويل. ويشير إلى دراسة أظهرت أن المتخصصين مبكرًا يسبقون غيرهم في الكسب بعد التخرج، لكن المتخصصين لاحقًا يعوضون ذلك السبق حين يجدون عملًا أوفق لمهاراتهم وطبائعهم.
ويمر كثير من المتأخرين في التفتح بمرحلة قاسية من التيه، وهم يبحثون عن دعوتهم. فقد عمل فان غوخ تاجرًا للفن، ومعلّمًا، وبائع كتب، وواعظًا في الشوارع، قبل أن يتجه إلى الرسم في السابعة والعشرين. وفي تلك السنوات كان فاشلًا تعيسًا، وكانت أسرته تتابع انحداراته المتكررة بحرج.
في هذه المراحل المبكرة، يجرّب المتأخرون في التألق أعمالًا كثيرة ثم يتركونها، حتى قد يظن من حولهم أنهم يفتقرون إلى الصبر والثبات. غير أن هذه السنوات عينها هي التي تنمو فيها لديهم قدرة يسميها علماء النفس «الفضول المتشعب»: أي التجوال بين اهتمامات كثيرة ومتباعدة، على نحو يبدو بلا خطة ولا منطق.
وقد لا تظهر ثمرة هذا الفضول في المدى القصير، لكنها تتضح حين يبدأ المتأخر في التفتح بالانتفاع من سعة معارفه، فيجمع بين أفكار متنافرة في صور جديدة. فعندما درس عالم النفس هوارد غروبريوميات تشارلز داروين، وجد أن داروين، في العقود التي سبقت نشر أصل الأنواع، كان يتراسل مع ما لا يقل عن مئتين وواحد وثلاثين عالمًا، تنوعت أعمالهم في ثلاثة عشر ميدانًا واسعًا، من الاقتصاد إلى الجيولوجيا، ومن أحياء البرنقيل إلى الحياة الجنسية للطيور. ولم يكن داروين ليكتب أعماله الكبرى لولا قدرته على الجمع بين هذه التيارات الفكرية المتباعدة.
ويلاحظ إبستين أن كثيرًا من أنجح العلماء كانت لهم اهتمامات متنوعة، ولا سيما في فنون الأداء. فالفائزون بجائزة نوبل أكثر ميلًا من غيرهم من العلماء، باثنتين وعشرين مرة، إلى قضاء أوقات طويلة ممثلين هواة، أو موسيقيين، أو سحرة، أو مؤدين من نوع آخر. وينقل إبستين عن سانتياغو رامون إي كاخال، مؤسس علم الأعصاب الحديث، قوله عن هؤلاء النوبليين المتأخرين: «يبدو لمن يراقبهم من بعيد أنهم يبعثرون طاقاتهم ويبددونها، بينما هم في الحقيقة يوجهونها ويقوّونها».
ويميل المتأخرون في التألق إلى احتمال الغموض، وإلى معالجة المشكلة المعقدة بأكثر من طريقة في التفكير. كما يحتملون قدرًا كبيرًا من عدم الكفاءة الظاهرة. إنهم يمشون في الحياة كما يمشي فضولي بين رفوف مكتبة. وقد كتب المؤرخ دانيال بورستين في شيخوخته: «لقد قادني فضول المستكشف في تفكيري وكتابتي». فقد ظل ينتقل طوال حياته من موضوع إلى آخر، مستكشفًا ولاعبًا بالأفكار.
٤- القدرة على تعليم النفس
غالبًا لا يجد المتأخرون في التألق وجهتهم الحقيقية إلا بعد أن يتجاوزوا سن التعليم التقليدي، فيضطرون إلى تعليم أنفسهم بأنفسهم. ويبدأ الناجحون منهم عادة بما يسميه علماء النفس «النزوع الشديد للتفكير العميق»، أي إنهم يحبون إعمال العقل طويلًا. وفي كتابه الفضول، يعرض إيان ليزليعبارات يدل الإقرار بها على هذه النزعة، مثل: «أفضّل المشكلات المعقدة على البسيطة»، و«أفضّل أن تمتلئ حياتي بألغاز لا أستطيع حلها»، و«أجد لذة في التفكير الشاق لساعات طويلة».
ويُعد ليوناردو دافنشي المثال الأشهر على هذه الحاجة العالية إلى التفكير. تأمل قوائمه المعروفة بالمشروعات البحثية التي كلّف بها نفسه: «اسأل أستاذ الحساب عن كيفية تربيع المثلث… افحص قوسًا مستعرضًا… اسأل عن قياس الشمس… ارسم ميلانو».
ويجمع المتأخرون الناجحون بين هذه الحاجة الشديدة إلى المعرفة وخصلة تبدو مناقضة لها: التواضع المعرفي. فهم شرهون إلى المعرفة والتعلم، لكنهم متواضعون في الوقت نفسه، ويدركون بدقة مقدار ما يجهلون.
وتجمع هذه العقلية بين ثقة عالية بالنفس: «أستطيع أن أكتشف هذا بنفسي، ومعاييري أصوب من معايير العالم»، وبين شك عميق في النفس: «ما زال هناك كثير أجهله، وما زلت مقصرًا في وجوه كثيرة».
وهذا الجمع بين النزوع إلى التفكير العميق والتواضع المعرفي هو ما يجعلهم قادرين على التعلّم مدى الحياة. فالمتأخرون في التألق يتعلمون على مهل، لكن تعلّمهم يكون أعمق؛ لأنهم يبلغون المعرفة بأنفسهم. ومع الزمن تتراكم ثمار هذا التعلّم الذاتي؛ فكلما ازداد المرء علمًا بمجال، ازدادت سرعة تعلّمه فيه. فالأستاذ الكبير في الشطرنج، الذي تختزن ذاكرته آلاف المباريات، يرى الاستراتيجية الجديدة أسرع بكثير من المبتدئ، فالمعرفة تجرّ إلى مزيد من المعرفة، ويسمي الباحثون هذا «أثر متّى»، نسبة إلى العبارة الإنجيلية: «كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ». وبعد حين يبدأ المتأخر في التفتح بالانطلاق.
٥- القدرة على الالتزام أخيرًا
لكن المتأخرين في التألّق لا يستطيعون التيه إلى الأبد. ففي لحظة ما لا بد أن يمسكوا بتحدٍّ يستثير دافعهم الداخلي القوي. لا بد أن يلتزموا.
٦- عقلية المستكشف
بحلول منتصف العمر، يكون كثير من المتأخرين في التألق قد انطلقوا بالفعل، وذاقوا لذة الجهد المركز. يغمرهم ما يفعلون ويأخذ بمجامعهم. ولأنهم أقل تقيّدًا بالصلات والأعراف من أصحاب النجاح المبكر، فهم أقدر على تغيير آرائهم وتحديث تصوراتهم من غير أن يخشوا خيانة قواعد المهنة.
ونحن نتصور غالبًا أن أسعد الناس هم الذين وجّهوا حياتهم نحو هدف ثم بلغوه، كمن يفوز بكأس بطولة أو ينال شهرة واسعة. لكن أجمل لحظات الحياة قد تكون في رحلة التعلم والسعي نفسها؛ في عملٍ مُشبعٍ إلى حد يصبح فيه العمل مكافأته الخاصة. وقد كتبت عالمة النفس في جامعة ستانفوردكارول دويك مرة: «الجهد هو الشيء الوحيد الذي يمنح الحياة معناها؛ فالجهد يعني أنك تهتم بشيء».
وقال النحات هنري مور للشاعر دونالد هول: «سر الحياة أن تكون لك مهمة، شيء تكرس له عمرك كله، وتمنحه كل ما لديك، في كل دقيقة من يومك إلى آخر حياتك. والأهم أن يكون شيئًا لا يمكنك إنجازه تمامًا».
٧- السخط في الشيخوخة
قد يبدو المتأخرون في التألق، مما سبق، كأنهم كائنات من الفضول والانفتاح والدهشة. لكن ينبغي ألا ننسى أن كثيرًا منهم ظل طوال عمره يصطدم بالمؤسسات القائمة، ومن الطبيعي أن تتكون لديه نزعة معارضة، وشعور بالغبن، وربما شيء من الغضب.
في مقاله الفنان يشيخ، كتب الناقد الفني الكبير السير كينيث كلارك عن رسامين مثل تيتيانوميكيلانجلو ورمبرانت وسيزان، أنجزوا أفضل أعمالهم في أواخر حياتهم، أحيانًا في الثمانينيات أو التسعينيات.
وقد لاحظ أن هؤلاء الفنانين كانوا يرسمون بشغف، لكن شغفهم كان مشوبًا بما سماه «تشاؤمًا وجوديًا». فالفنانون الذين يبلغون ذروتهم متأخرين، في رأيه، «ينظرون إلى الحياة البشرية نظرة شديدة القتامة». وكان يحركهم غضب مقدس. أما الفنان البريطاني وليام تيرنر فقد بلغ به اليأس في أواخر حياته حدًا جعله يكاد لا يتكلم. ويكتب كلارك: «الفنانون المسنون وحيدون. فهم، مثل سائر المسنين، يضجرون من صحبة بني جلدتهم وينفرون منها، ومع ذلك تؤلمهم العزلة. وهم كذلك يرتابون من التدخل».
وهؤلاء الفنانون الغاضبون يردّون على العالم بفرشاتهم. يبتعدون عن الواقعية، وتزداد ضربات فرشاتهم حرية. ويكتب كلارك: «كان سيزان في منتصف عمره يرسم برقة رسام الألوان المائية، وكان يكاد يخشى، كما قال، أن يلطخ بياض القماش. لكنه انتهى إلى مهاجمته بضربات ثقيلة مشبوبة». ثم يضيف: «من العسير تفسير الحيوية المتزايدة في يد الهَرِم».
فالرسامون الشباب، مثل الشبان في أي حرفة، يحاولون تعلم لغة الصنعة. أما الرسامون المسنون، شأنهم شأن الخبراء في سائر الميادين، فقد أتقنوا اللغة وصاروا مستعدين لليّها وتطويعها. إنهم يتحررون من القواعد التي تخنق صوتهم الداخلي، ويغدون أقدر على التعبير عما يريدون قوله في صورة أنقى.
وتحليل كلارك نافذ، لكنه ربما يبالغ في التعميم. فهو ينطبق على لوحة غاضبة متشائمة مثل عمل ميكيلانجلو المتأخر صلب القديس بطرس، حيث يبدو الفنان الشيخ ثائرًا على لا إنسانية العالم. لكنه لا ينطبق تمامًا على لوحة رمبرانت المتأخرة عودة الابن الضال. فعندما رسمها كان رمبرانت شيخًا فقيرًا، جاوزه الذوق السائد، وسبقته زوجته وكثير من أبنائه إلى القبر. ومع ذلك فاللوحة مفعمة بروح من الصفح المقدس؛ إذ تصور أبًا يمنح حبًا لا نهاية له لابن ضال، هزيل، شاكر. ولا يكاد يوجد ما هو أرق منها.
٨- الحكمة:
بعد عمر طويل من التجريب، يتجاوز بعض المتأخرين في التألق حدود الصنعة أو المهنة، ويبلغون لونًا من الحكمة الواسعة.
والحكمة خصلة معقدة. تبدأ بالقدرة على تمييز الأنماط، أي استخدام الخبرة لفهم ما يجري حقًا.
ويقدم عالم الأعصاب إلخونون غولدبرغ وصفًا كلاسيكيًا لهذه القدرة في كتابه مفارقة الحكمة، إذ يكتب: «كثيرًا ما أواجه مسألة تبدو شديدة التعقيد لمن ينظر إليها من الخارج، ثم أجد أن ذلك العناء الذهني الطويل لم يعد لازمًا، على نحو يكاد يشبه السحر. يأتي الحل سهلًا منسابًا، وكأنه يجيء من تلقاء نفسه. وما فقدته مع التقدم في العمر من قدرة على العمل الذهني المضني، كأنني كسبت بدلًا منه بصيرة خاطفة تأتي على نحو يثير العجب من فرط سهولته!».
لكن الحكمة ليست مجرد قدرة على تمييز الأنماط؛ إنها أيضًا القدرة على رؤية الأشياء من وجوه متعددة، وجمع وجهات النظر المختلفة، والطمأنينة إلى ما بينها من توتر.
فعندما بلغ بول سيزان الستينيات، بنى مرسمًا في بروفانس، ورسم سلسلة لوحات لجبل واحد هو جبل سانت فكتوار، وتُعد اليوم غالبًا من أعظم أعماله. رسم الجبل في أوقات مختلفة من النهار، وتحت أضواء مختلفة. لم يكن يرسم الجبل بقدر ما كان يرسم الزمن. وكان يرسم الإدراك نفسه: تدفقه الدائم، وغموضه، وتحولاته. وقد كتب إلى الرسام إميل برنار: «إنني أتقدم ببطء شديد، لأن الطبيعة تكشف لي عن نفسها بطرائق معقدة؛ والتقدم المطلوب لا نهاية له».
وكتب توماس ستيرنز إليوت في قصيدته إيست كوكر: «ينبغي للشيوخ أن يكونوا مستكشفين… فلا هنا ولا هناك يعنيان شيئًا… علينا أن نكون ساكنين وماضين في الحركة في آن، ماضين نحو عمقٍ آخر، ونحو ألفةٍ أعمق بالوجود».
ولدى بعض المتأخرين في التألق، لا تنتهي رحلة الاستكشاف أبدًا. لهم طريقة مميزة في الحضور في العالم، لكنهم يعبّرون عنها بمستويات أعظم من التعقيد كلما تقدم بهم العمر.
والحكمة صفة عقلية؛ فهي القدرة على رؤية الواقع كما هو. لكنها أيضًا صفة أخلاقية، فنحن لا الأناني بالحكمة. وهي كذلك صفة روحية؛ إذ يملك الحكيم قدرًا من السكينة، وقدرةً على التماسك حين تجرف المشاعر الكريهة غيره.
وحين كنت شابًا، تتلمذت على يد وليام ف. باكلي الابن وميلتون فريدمان، وكان كلاهما يومئذ يقترب من ختام مسيرته المهنية. وكان الرجلان قد غيّرا مجرى التاريخ. فقد أنشأ باكلي الحركة المحافظة الحديثة التي أفضت إلى انتخاب رونالد ريغان، أما فريدمان فقد غيّر علم الاقتصاد ونال جائزة نوبل.
وقد أتيحت لي فرصة أن أسأل كلًّا منهما، على انفراد، هل شعر يومًا بأنه بلغ تمام عمله، وأنه عبر خط النهاية، وصار في وسعه أن يستريح؟ لكن أيًّا منهما لم يفهم سؤالي أصلًا. فلم يعرفا الراحة قطّ؛ بل ظلا، إلى آخر أيامهما، يدفعان في اتجاه ما كانا يريان أنه مجتمع أفضل.
…
وقد لاحظتُ هذا النمط مرارًا: فالمتأخرون في التألق، وإن بدأوا ببطء، يظلون يندفعون في المرحلة الأخيرة من السباق. لا يبطئون مع ما يأتي به العمر من تراجع. إنهم يبحثون. ويسعون. وينخرطون فيما يفعلونه بكل قلوبهم!
••
المصدر بنوع اختصار وتلخيص:
Brooks, David. "You Might Be a Late Bloomer: The Life Secrets of Those Who Flailed Early but Succeeded by Old Age." The Atlantic, May 10, 2024. https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2024/05/david-brooks-late-bloomer-success/678346/.


خطر لي أثناء القراءة لهذا المقال الماتع بضع خواطر:
(1)
قد تبدو نصيحةً مبتذلةً مكرورة لكثرة ما تطرق الأسماع لكنَّها من أكثر ما ينساه الساعون؛ وهي أنَّه ينبغي للإنسان على هذه الأرض ألَّا يستعجل الحكمَ على نفسه، وألَّا ييأسَ متقبلًا فكرة السقوط والنهوض، وأن يكون عنيدًا محتملًا للملل غيرَ جزع صبورًا في اكتشاف قدراته وتنميتها وتطويرها ومتابعتها يومًا بيوم خاصَّة إذا كان يُعنى بهدف كبير.
(2)
من الأمثلة التي تذكرتها من تراثنا بعد قراءة أول سطر من المقال هو الشاعر النابغة الذبياني الذي كان يعدُّه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أشعرَ العرب. وجاء في (المعلقات العشر وأخبار شعرائها): «وقيل: لقب النابغة؛ لأنه كبر ولم يقُل شعرًا، فنبغ فيه بغتة، وقيل: هو مشتق من نبغت الحمامة إذا تغنت. وحكى ابن ولاد أنه يقال: نبغ الماء، ونبغ بالشعر كمادة الماء النابغ، قال ابن قتيبة في طبقات الشعراء: ونبغ بالشعر بعدما احتنك وهلك قبل أن يهتر».
(3)
بما يتعلَّق بالفضول المتشعِّب، تذكَّرت اقتباسين أحدهما لابن الجوزي رحمه الله والثاني للأستاذ عبد الله الهدلق وفَّقه الله:
قال ابن الجوزي رحمه الله في (صيد الخاطر): «ما ابتُلي الإنسان قط بأعظم من علوِّ همَّته؛ فإنَّ مَن علت همَّته يختار المعالي، وربما لا يساعده الزمان، وقد تضعف الآلة، فيبقى في عذاب. وإني أُعطيت من علو الهمة طرفًا، فأنا به في عذاب، ولا أقول: ليته لم يكن؛ فإنَّه إنَّما يحلو العيشُ بقدر عدم العقل، والعاقل لا يختار زيادةَ اللذة بنقصان العقل». وقال في موضع آخر من الكتاب: «ولو شرحت هذا لطال، غير أني أعتذر عما قلته، فأقول عن نفسي -وما يلزمني حال غير-: إنني رجل حبب إلي العلم من زمن الطفولة، فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد منه، بل فنونه كلها، ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يسع، والعمر أضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى وقوف بغض المطلوبات حسرات».
وللأستاذ الهدلق كلمة نُقلت عنه في (ظلال الأشياء): «يستغرب بعض أحبابنا نقلي عن كتب غريبة لا يطالعها أكثر من هم على هيئة معينة، وأنا فليس لديَّ كتابٌ لا يُقرأ، كل كتاب هو مشروع قراءة، ولست أدري السبب الذي حملني على هذا التباين الحادّ في موضوعات القراءة منذ عرفت الكتاب أهو الملل الذي جُبلت عليه أم الشغف المعرفي المجنَّح، أم هي هاضمة ثقافية لا يضيرها اختلاف هذه الأنواع من طعوم العلم، هل هو كل هذا أم لا شيء منه؟ لستُ أدري! ولو رأى أحدهم كيس الكتب الذي أحمله في معرض الكتاب لتوهَّمني مجنونًا يختار الكتب على غير قانون طبيعي! فمن كتب عن الطبيخ إلى مسائل الإمام أحمد وبينهما غرائب.. لكني سعيد!».
مقال جميل
لكن لم أعثر في الشبكة على كتاب (المتألقون متأخرا) المذكور في المقال