تنقيب في قلب الاكتئاب!
معظم التناول العام للاكتئاب متأثر بطريقة الدليل التشخيصي DSM-5 والتي ترى أن تشخيص الاكتئاب يرتبط بوجود أعراض معينة كفقدان الاهتمام أو المتعة، واضطرابات النوم والشهية، وتغيّر النشاط، وانخفاض الطاقة، وأفكار الموت أو الانتحار، على أن تستمر الأعراض مدة لا تقل عن أسبوعين، وأن تؤثر في حياة المرء المهنية أو الاجتماعية.
أما أستاذ الفلسفة بجامعة يورك ماثيو راتكليف فيقترح منظورًا أكثر حيوية وإنسانية وتعقيدًا في آن، وهو المنظور الظاهراتي/ الفينومينولوجي Phenomenology، وهو منظور شديد الجاذبية بالنسبة لي من سائر الأطروحات الطبية أو المعرفية أو الفلسفية أو الإدراكية المحضة، سواء في الاكتئاب أو في الظواهر والتجارب الإنسانية المختلفة. الظاهراتية -باختزال شديد- هي محاولة نظرية لدراسة التجربة الذاتية المباشرة، أي كيف يشعر الإنسان بالعالم من الداخل، وراتكليف يؤسس لما يسميه «مشاعر الوجود Feelings of Being» وهي الحالات العاطفية الأساسية التي تحدد كيف نختبر الواقع، وينظر إلى الاكتئاب -الحادّ بالأساس- بوصفه تغيّرًا جذريًا في طريقة إدراك العالم.
وهو لا يطمح إلى «وضع نظامٍ تصنيفيّ نفسيّ بديل أو معايير تشخيصية جديدة للاكتئاب، بل يقدّم طريقة في التفكير في الخبرة تتيح فهمًا أوضح وأكثر تفصيلًا للطابع الوجودي لمعظم تجارب الاكتئاب»، مع التمييز بين أنواع تجارب الاكتئاب المختلفة، وهي تمييزات يمكن أن تسهم -برأيه- في التصنيف والتشخيص والعلاج.
وهذا التنوع كثيف ومعقّد، خلافًا للسرديات الشائعة، التي تميل في السير الذاتية، وفي الأفلام، والروايات، ونحوها؛ إلى تأطير التجربة الاكتئابية بانضباط سردي مغلق ومعقول، يكتب راتكليف:
«تتخذ كثير من الكتابات الحديثة عن الاكتئاب شكلَ سرديةِ سعيٍ أو رحلة؛ إذ يُصوَّر الاكتئاب بوصفه شيئًا يمرّ به المرء أو يتغلّب عليه، كالإبحار بقارب عبر بحرٍ عاصف أو العثور على طريقٍ في غابةٍ مظلمة. وفي أثناء ذلك، يُعتمَد في كثير من الأحيان “أسلوبٌ اعترافي” ذو طابعٍ نمطيّ إلى حدّ ما. كما تميل السرديات المنشورة إلى فرض قدرٍ من الإغلاق، أي نهايةٍ للرحلة، وهو ما قد لا يعكس الوقائع غير المنتظمة لحالة المرء. وفي مقارنته بين تجربته الخاصة والأنماط السردية الراسخة، يلاحظ (Smith، 1999): “لا أرى، أو لا أشعر، بأيّ خلاصات، بل لبسًا وتناقضات واحتمالات مفتوحة!”».
وفيما يلي أعرض لك بعض أفكار هذا الكتاب المهم، والمؤثر:
في رؤيته العامة يذهب إلى أن
«معظم تجارب الاكتئاب تشترك في عدد من السمات العامة، بما في ذلك الشعور بالانفصال عن العالم وعن الآخرين، والإحساس بأن الاكتئاب حالة أبدية ومن ثمّ لا مفرّ منها، والشعور بالعجز. وبنحو أعمّ: الإحساس بأن العالم يفتقر إلى أنواع معيّنة من الإمكانيات التي عادةً ما يُفترض وجودها... تتّسم غالبية تجارب الاكتئاب بنوع من “التغيّر الوجودي”، حيث تنطوي أشكاله المختلفة على إفقار للذات والعالم».
ويشير إلى البدهية المكررة عن تعبير المكتئبين عن فشلهم في شرح مشاعرهم أو أحاسيسهم أو تجاربتهم الباطنية، والذي ينطوي على عجز مروع في التواصل مع الآخرين: «يشير كثير من المصابين إلى أن العجز عن نقل تجاربهم إلى الآخرين يُفاقم شعورًا طاغيًا ومؤلمًا بالاغتراب عن الآخرين، وهو شعور يُعد بالفعل محوريًا في الاكتئاب. فعلى سبيل المثال، يقول جون ستيوارت ميل في سيرته الذاتية عن أصدقائه: (لم يكن لديّ آنذاك من أرجو أن أجعل حالتي مفهومة لديه!)».
ربما القارئ غير المختص، أو البعيد عن الاطلاع في الفلسفات الظاهراتية والوجودية سيجد صعوبة في استيعاب بعض أفكار الكتاب، ومع ذلك كان المؤلف حريصًا على الوضوح والتغلّب على الطبيعة المعقّدة للمنظور الظاهراتي، وفي معظم الأحيان ينجح في ذلك. يتحدث مثلًا عن أن الخبرة الإنسانية تُفهم عبر «بنية الإمكانات» التي ننفتح عليها في العالم، بما في ذلك الإمكانات المتعلقة بالذات وبالآخرين، وأن اضطراب «الشعور الوجودي» في حالات مثل الاكتئاب يتمثل في تغيّر هذه الإمكانات التي ننفتح عليها. فحين تضيق أو تختفي بعض إمكانات الفعل أو الإدراك، يتغير إحساسنا بالواقع والانتماء. ثم يقول: «ثمة تحوّل في أنواع الإمكان التي يكون المرء قابلًا لالتقاطها، كما يتضح في كثير من الشهادات بضمير المتكلم عن التحولات الحادة في بنية الخبرة. ولننظر في المقطع الآتي من كتاب السيرة الذاتية لفتاة مصابة بالفصام، حيث تصف المؤلفة عودة قصيرة الأمد إلى الواقع: “عندما كنا في الخارج، أدركت أن إدراكي للأشياء قد تغيّر تمامًا. فبدلًا من فضاء لا متناهٍ، غير واقعي، حيث كان كل شيء منفصلًا، عاريًا ومعزولًا، رأيت الواقع، ذلك الواقع الرائع، لأول مرة. ولم يعد الأشخاص الذين كنا نلقاهم آلاتٍ أو أشباحًا تدور وتلوّح بحركاتها من غير معنى؛ بل صاروا رجالًا ونساءً لهم سماتهم الخاصة، ولهم فرديتهم الخاصة. وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى الأشياء. فقد غدت أشياء نافعة، ذات معنى، قادرة على أن تمنح اللذة. هذه سيارة تنقلني إلى المستشفى، وهذه وسائد أستريح عليها. […] ولأول مرة تجرأت على تناول الكراسي باليد، وعلى تغيير ترتيب الأثاث. يا لها من فرحة لم أعرفها من قبل: أن يكون لي تأثير في الأشياء؛ أن أفعل بها ما يحلو لي، ولا سيما أن أجد متعة في أن أرغب في هذا التغيير” (Sechehaye, 1970, pp. 105)، وبالنسبة إلى رينيه، كان كل شيء قد فقد معناه العملي المألوف. ومع عودة الإمكانات العملية، يُستعاد أيضًا الإحساس بالواقع. وحين يحدث ذلك، ينشأ وعي حاد بما كان مفقودًا من قبل، أي بالتباين بين طريقتين تجد بهما نفسها في العالم. غير أن فقدان نوع من الإمكان من الخبرة لا يقتضي بالضرورة شعورًا بالغياب؛ فربما كانت رينيه، قبل أن تبدأ الإمكانات في العودة، غافلة إلى حد كبير عما فقدته».
وهذا يوضح نقطة شديدة الأهمية في بنية التجربة الاكتئابية المتعلقة بانمحاء القدرة على استيعاب التجربة -في أكثر تشكلاتها جذرية- من داخلها، ولذلك حين يكون المرء «في خضم نوبة اكتئاب، يبدو من المستحيل تصديق أنها ستمر. والمفارقة أن المشكلة تكمن في الاعتقاد بأن المرء يرى العالم “كما هو في حقيقته”، وأنه غير قادر أو غير راغب في تلوين هذا الإدراك أو تجميله؛ فالقناعة بعدم القدرة على التعافي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بشيء آخر قد يُفهم على أنه اعتقاد ذو مضمون محدد: الإحساس بأن “الاكتئاب يكشف العالم على حقيقته”، يصف Solomon هذا الشعور بأنه “معرفة عميقة تجعلك على تماس مع الفظاعة الحقيقية لحياتك”!»، ويعلّق راتكليف على ذلك بأن هذه اليقينية السوداوية ناجمة عن انغلاق «بنية الإمكانات» والحرمان الشرس منها. وهذا يتجلى تحديدًا في نوع الاكتئاب الوجودي حيث:
«تتضاءل الأهمية العملية للأشياء؛ إذ لم تعد تتيح الإمكانات المألوفة للفعل. ويرتبط بذلك شعور بالاستحالة، حيث تبدو الإمكانات حاضرة، لكنها غير قابلة للتحقق، وقد ينشأ كذلك إحساس بالاغتراب، حين تبدو الإمكانات غير المتاحة للذات متاحة للآخرين بيسر. وقد يظل الآخرون يقدّمون إمكانات للتواصل، غير أن هذه الإمكانات تظهر، في الوقت نفسه، بوصفها “متعذّرة عليّ”. وتشكّل هذه التحولات في حيّز الإمكان، بمجملها، إحساسًا بالعزلة يُعاش على أنه لا رجعة عنه، ذلك أن الاكتئاب لا يصحبه إدراك بطابعه العرضي أو بإمكان أن يكون الأمر على نحوٍ آخر... وقد تتفاقم، في المقابل، بعض أنماط الإمكان؛ فعالمٌ لم يعد يقدّم دعوات للفعل قد يتجلّى، في الوقت ذاته، كتهديد شامل يحيط بكل شيء، يجد فيه المرء نفسه سلبيًا، عاجزًا، ووحيدًا. إن الأمل، والأهمية العملية، والارتباط بالآخرين لا تختفي فحسب؛ بل إن فقدانها ذاته جزء لا يتجزأ من التجربة؛ إنه مُعاش ومُحسوس بعمق».
يرتبط الاعتقاد الاكتئابي بأن المرء يرى العالم “كما هو في حقيقته” بمسألة هل الاكتئاب يجعل العمليات المعرفية المعنية أكثر موثوقية أم أقل؟ هناك رؤية تسمى «الواقعية الاكتئابية» تزعم أن الاكتئاب يعزّز التقييمات الأدق، على الأقل فيما يتعلّق بأمور مثل المكانة الاجتماعية للفرد، وقدراته، ومدى مسؤوليته عن النتائج غير المرغوب فيها، وقد عبّر فرويد عن الفكرة العامة بصورة لافتة قبل ذلك بكثير: «إذا ما وصف [المرء] نفسه بأنه تافه، وأناني، وغير صادق، ومعتمد على غيره، ولم يسعَ إلا إلى إخفاء ضعف طبيعته، فقد يكون -على حدّ علمنا- قد اقترب كثيرًا من معرفة ذاته، ولا يسعنا إلا أن نتساءل لماذا يتعيّن على المرء أن يمرض لكي يصل إلى مثل هذه الحقيقة!» (فرويد، 2005، ص 206)، ومع ذلك يشكك المؤلف في هذه المزاعم، فليس من الواضح دائمًا وجود معيار موضوعي يُمكن الرجوع إليه لتقييم مدى ملاءمة الأحكام من عدمها، و«في أفضل الأحوال، تبدو «الواقعية الاكتئابية» ظاهرةً هشّة لا تظهر إلا في ظروفٍ معيّنة، وكثير من الأدلة التجريبية الداعمة لها يعتمد على مشاركين لا يعانون من اكتئابٍ شديد، كما أن هذا الأثر يضعف ويختفي مع ازدياد حدّة الاكتئاب».
ولكن يلاحظ من جهة أخرى أن “الاستبصار” الحاد أو المتطرف او ألجذري، بحسب ما ترى أنت، الذي خاضه المكتئب ليس من السهل تجاهله أو طمره كليًا حتى بعد التعافي، ففي حالة البعض «لا يصاحب التعافي من الاكتئاب رفضٌ للتقييم الذي يجسّده بشأن الحياة الإنسانية. بل يبقى إحساسٌ ما بالكشف [أو الانكشاف] Revelation»، ويشرح الأمر بقوله: «عندما يغادر المرء عالم الاكتئاب، فإن العالم الذي يعود إليه قد يكون مشبعًا بنوع جديد من العرضية. إذ يدرك هشاشة نمطٍ من الانتماء إلى العالم كان في السابق مُسلَّمًا به. وقد ينطوي هذا الإدراك على وعيٍ بأن من الممكن العودة مرة أخرى إلى حالة يبدو فيها ما هو الآن بعيد وكأنه يحمل من جديد قوّة الكشف. وكثيرًا ما يصف من تعافوا من الاكتئاب تجربتهم بأنها استعادة لشيء كانوا قد حُرموا منه. غير أن بعضهم، رغم تراجع بروز اليأس مع عودة الإمكانات، يظل يشعر به كامناً في الخلفية، كأنه وحشٌ مترصّد، لا يزال مرتبطًا بإحساسٍ بحقيقة لا يمكن إنكارها!».
**
وفي أثناء عرضه يشير إلى أن «طريقة استجابة الشخص للمزاج الاكتئابي تؤثر في هذا المزاج نفسه؛ فعدم فهم ما يحدث لك، والشعور بالانفصال عن الآخرين، قد يثيران مشاعر سلبية تفاقم -أو تغيّر- الإحساس الوجودي الذي جعلك عرضة لهذه المشاعر في المقام الأول. وكما يقول بعضهم (كلما أصبح الناس أكثر انفعالًا بسبب اكتئابهم، ازداد عمق الحفرة التي يحفرونها لأنفسهم)».
**
وينتقل في فصل تال إلى مناقشة خيبة/فقد الأمل وعلاقته بالاكتئاب، ويفرّق بين فقد الأمل القصدي تجاه شيء ما، والفقد الوجودي للأمل، «ثمة نوع آخر من الأمل، يكون فقدانه محورًا أساسيًا في كثير من تجارب الاكتئاب»، ويشرحه بأنه هذا الفقد يفتقر لمضمون محدد، وهو «بالأحرى، خلفية ظاهراتية تقوم عليها إمكانية الحالات من قبيل (آمل أن يكون كذا) ويمكن له -من حيث المبدأ- أن يستمر حتى مع فقدان جميع الآمال القصدية؛ فقد يفقد المرء “كل الآمال” دون أن يفقد “الأمل” ذاته. لكن عندما يُفقَد هذا الأمل “ما قبل القصدي” أو “الوجودي” نفسه، فإن ما يغيب عن التجربة ليس عدداً من الآمال، بل إمكانية اتخاذ موقف من نوع “آمل أن يكون كذا”؛ وهو فقدانٌ يمكن أن يُعاش بوصفه خسارة عميقة. إن معظمنا، في أكثر الأوقات، يحتفظ بدرجة ما من الأمل، بإحساس عام بأن الأمور قد تؤول إلى خير. وفي هذا السياق تتشكّل الآمال الأكثر تحديداً وتتبلور المشاريع. لذلك، فإن فقدان “الأمل الجذري” يُعدّ تجربة أعمق وأكثر جذرية من فقدان جميع الآمال؛ إذ لا يفقد المرء عدداً من الآمال الفعلية فحسب، بل يفقد أيضاً ذلك التوجّه الذي تُفترضه إمكانية الأمل في أي شيء».
ثم يقول في جملة شديدة الأهمية:
«الاكتئاب ينطوي غالباً على ما يشبه شعوراً شاملاً بتوقّع غير مُشبَع، لكن ماذا لو استمرّ هذا الحال لفترة طويلة؟ أيمكن أن يتلاشى الإحساس بالتوقّع ذاته، إلى جانب الإحساس بالفقدان؟ أيمكن أن ينسى المرء -على نحوٍ اعتيادي وعملي-كيف كان الأمر قبل الاكتئاب؟ تشير العديد من الشواهد إلى أن الاكتئاب قد ينطوي على نوعٍ من نسيان الكيفية التي كانت عليها الأمور قبل أن يبدأ!».
**
تشير بعض الأبحاث إلى أن الشعور بالذنب المقارن للاكتئاب ليس ظاهرة خاصة بثقافة بعينها، ويشكك آخرون في ذلك، ويرون أن بروز أعراض الذنب في توصيفات الاكتئاب يتفاوت تاريخياً وثقافياً، حيث رُصد أنه «بعد ظهور مقالة فرويد “الحداد والمالنخوليا”، أصبحت موضوعات مثل “لوم الذات” و”ازدراء الذات” أكثر حضوراً في الشهادات الشخصية وفي الأدبيات العامة حول الاكتئاب». والحق أن الشعور بالذنب من أفظع الأعراض الاكتئابية، وهو شديد الشيوع، والأهمية. (في كتابه المهم عن الميلانخوليا/الاكتئاب يطرح النفساني الألماني هوبيرتوس تيلنباخ منظورًا فينومينولوجيًا للاكتئاب الداخلي، ويربط هذا النمط بنوعٍ شخصي مميّز، هو «النمط الميلانخولي typus melancholicus»، الذي يصفه على النحو التالي: «تتمثّل سمته الحاسمة في التقيّد الصارم بالنظام، وفرض مطالب عالية على الإنجاز الفردي، والانشغال المؤلم بتجنّب الذنب [...] وأخيرًا الميل إلى نمط من التواصل التعاطفي، بل حتى التكافلي»).
ولفهم الموضوع بعمق يقترح راتكليف أن هذا الشعور يعني بنحو أو بآخر: «التركيز على الأفعال الماضية، والإقرار بأن آثار تلك الأفعال لا تقبل التغيير، والوعي بنوع من الاغتراب عن الآخرين، والإحساس بارتكاب خطأ أو بكون المرء معيبًا في ذاته، فضلًا عن توقّع التعرّض للأذى أو العقاب».
ويميّز بوضوح بين أنوع الشعور بالذنب التي يمكن أن يشعر بها المكتئب:
1. الشعور بالذنب تجاه شيء محدّد.
2. الشعور بالذنب تجاه شيء ما دون معرفة ما هو.
3. الإحساس بأن المرء مذنب حقًا بشيء محدّد.
4. الشعور بالذنب.
5. الشعور بذنبٍ لا يمكن محوه أو الرجوع عنه.
ويذهب إلى أن «الأنواع (1) و(2) و(3) المذكورة أعلاه تتضمن جميعها حالات قصدية... أما النوعان (4) و(5)، فهما “عميقان” أو “جذريان” على نحو مختلف؛ فكلاهما يمثلان شكلين وجوديين من الذنب، ويُعدّ النوع (5) الأعمق بينهما. ويُفهمان من خلال تغيّر في إحساس الشخص بما هو ممكن»، وهو يركز بطبيعة الحال على النوعين الأخيرين، لأن «الذنب الوجودي ليس مجرد تجربة حالة نفسية عابرة، ولا هو مجرد استعداد لها، بل يُعاش بوصفه طريقة وجود مستمرة وشاملة».
ويمتزج هذا الشعور مع التحول البنيوي في نمط الزمانية الظاهراتية للمكتئب؛ فـ«الاكتئاب لا ينطوي على فقدان كامل لتجربة الزمن، بل على تحوّل في بنيتها. ففي بعض الحالات، تظل إمكانات المستقبل قائمة، ولكن فقط في صورة خطر وشيك يواجهه المرء وهو عاجز. وتُشكَّل التجربة بأكملها عبر إحساس سلبي بالانتظار، انتظار تهديدٍ مجهول وشامل يوشك أن يتحقّق...
في غياب الإحساس بالأهداف والمشاريع، وبدون أشياء تُنجز وأخرى ما تزال تنتظر الإنجاز، فإن كل يوم يبدأ من جديد، بلا اختلاف يُذكر عن سابقه. وحيث لا يوجد ما يميّز يومًا عن آخر، لا يعود بالإمكان إدراج الإحساس بتهديد وشيك ضمن إطار زمني ممتد؛ ولذلك يُعاش هذا التهديد بوصفه دائم الحضور، وشيكًا على الدوام لكنه لا يتحقّق أبدًا... وهكذا يصبح المستقبل، في هذه الحالة، ضاغطًا على نحوٍ حصري؛ إذ لم يعدْ بُعدًا لإمكانات نشاط ذي معنى، ولا يحمل أي احتمال للانفراج. وهكذا تستقرّ التجربة في الماضي، في مجال أفعالٍ ثابتة لا تتغيّر، إذ لا توجد إمكانية لتعويضها أو تصحيحها».
وهكذا فالذنب الوجودي لا ينطوي على الشعور بالذنب إزاء شيء محدّد؛ بل إن التجربة بأسرها تتخذ شكل الذنب، «وفي حين أن الذنب القصدي هو واحد من بين عدة مواقف انفعالية يمكن للمرء أن يتخذها إزاء أفعاله، فإن الذنب الوجودي لا يترك مجالًا للإحساس بوجود بدائل كهذه. فالأمل، والمتعة، والارتباط بالآخرين، والفضول، والفعل الموجَّه نحو غاية؛ كلها تختفي من العالم».
ولذا يتساءل: كيف ستكون الذكريات الشخصية العرضية إذا غاب عن التجربة كل إحساس بوجود إمكانات لنشاط مستقبلي ذي دلالة؟ الجواب واضح؛ «ستأخذ جميع الأفعال الماضية شكل وقائع مغلقة لا رجعة فيها. وستختفي إمكانية أن يتخذ الماضي أي صورة أخرى، وستغدو كل استعادة للذكريات متماثلة في بنيتها مع التذكّر القائم على الذنب. وبالطبع، فإن الذنب ليس الموقف السلبي الوحيد الذي يمكن أن نتخذه إزاء أفعالنا الماضية. غير أن حتى الندم ينطوي على إحساس بأن الأمور كان يمكن أن تكون على نحوٍ آخر، ويعتمد على وجود قيم وتطلعات لم تتحقق بعد. فنحن نندم على شيء ما بالنظر إلى شيء آخر نُقدّره». ومن ثمّ فليس الأمر مجرد أن الماضي «سيبدو “سيئًا” بل إنه سيتخذ، على نحوٍ أدق، البنية الخاصة بالذنب!».
**
وقد يرتبط هذا الشعور بالذنب بالطبع -في بعض نسخه المتطرفة كما مضى- باعتقاد ديني، وهو اعتقاد في غاية الفساد والخطورة، وأعني به الاعتقاد باستحالة الرحمة، واليأس من اللطف الإلهي، والقنوط من الغفران والعفو، يقول تعالى: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ)، وقد استدل العلماء بقوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) على أن «اليأس من رحمة الله من الكبائر» كما يقول السيوطي في الإكليل، وعدّه جماعة من العلماء الذين صنفوا في الكبائر منها، فإن قلت: لم كان الياس هنا من الكفر؟ يجيب الثعالبي أن العلة عائدة لاشتماله على «إما التكذيبُ بالرُّبوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى»، فضلًا عن ما «فيه تكذيب القرآن، إذ يقول وقوله الحق: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وهو يقول: لا يُغفر له، فقد حجّر واسعًا»، ويزيد الفخر الرازي المعنى بيانًا:
«اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بكريم بل هو بخيل؛ وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر؛ ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرًا».
عافانا الله من الزيغ واعتقاد الباطل.
**
وفي فصل العلاقة بالآخرين، يستدعي راتكليف رأي الفيلسوف الدنماركي كنود لوقستروب K. E. Løgstrup الذي يرى أن «الانخراط مع الآخرين بوصفهم أشخاصًا يتمثّل أساسًا في الاستجابة لحقيقة أننا نملك القدرة على التأثير في عوالم بعضنا البعض»، يقول لوقستروب: «بمجرّد موقفنا من بعضنا البعض نُسهم في تشكيل عوالم بعضنا البعض. فمن خلال موقفنا من الآخر نساعد في تحديد مدى عالمه وطابعه؛ نجعله واسعًا أو ضيقًا، مشرقًا أو كئيبًا، غنيًا أو باهتًا، مهدِّدًا أو آمنًا. ونحن نُسهم في تشكيل عالمه لا عبر النظريات والآراء، بل من خلال موقفنا ذاته تجاهه. وهنا يكمن ذلك المطلب غير المصرّح به -والذي يمكن القول إنه مجهول الهوية- بأن نرعى الحياة التي أودعتها الثقة بين أيدينا»، ويؤكّد أننا «نؤثّر في الآخرين على نحو لا مفرّ منه، كما يؤثّرون هم فينا. فإيماءاتهم أو تعبيراتهم -مهما كانت دقيقة- تتسرّب إلينا وتؤثّر في خبرتنا بطرق لا يسهل مقاومتها. ويترتّب على ذلك، بحسب لوقستروب، أن التعامل مع شخص بوصفه شخصًا ينطوي على مسؤولية لا فكاك منها تجاهه: «لا يكون للمرء أي تعامل مع شخص آخر دون أن يكون له، في الوقت نفسه، قدرٌ من التأثير عليه. وقد يكون هذا التأثير ضئيلًا للغاية، لا يتجاوز مزاجًا عابرًا، أو إضعافًا أو تنشيطًا للروح، أو تعميقًا أو إزالةً لنفورٍ ما. لكنه قد يكون أيضًا ذا نطاق هائل، بحيث يمكن أن يحدّد ما إذا كانت حياة الآخر ستزدهر أم لا»؛ فالتعامل مع شخص بوصفه شخصًا يقتضي الانفتاح على الإمكانات التحويلية التي يتيحها، بدلًا من التحصّن ضد احتمال أن يُلحق ضررًا بعالمنا. وهذه الثقة ليست موقفًا موجّهًا نحو موضوع محدّد، بل هي طريقة أعمّ لوجود الإنسان في العالم البينذاتي: «الثقة ليست من صنعنا؛ إنها مُعطاة. إن حياتنا مكوَّنة على نحو لا يمكن معه أن تُعاش إلا حين يفتح أحدنا نفسه للآخر ويضع ذاته بين يديه، سواء بإظهار الثقة أو بالمطالبة بها».
ويرى لوقستروب أن العلاقة البينشخصية الغنية على نحوٍ كامل تنطوي على انفتاح متبادل وإحساس متبادل بالمسؤولية. كما تنطوي أيضًا على قدرٍ من القابلية للتعرّض، إذ لا يمكن أن يتأثر المرء بالآخر على هذا النحو دون أن يجعل نفسه، في الوقت ذاته، عرضة لتأثيره على نحو أعمّ، ولأنماط أخرى من العلاقة».
وعليه يذهب المؤلف أن «التصوّر في تفسير التغيّرات التي تطرأ على بنية الخبرة البين-شخصية في الاكتئاب، والتي تتمحور أساسًا حول عجزٍ عن الدخول في ذلك النوع بعينه من العلاقة بين الأشخاص التي يصفها»، فمن الموضوعات الشائعة في معظم السرديات بضمير المتكلم الإحساسُ بفقدان التواصل مع الآخرين، يقول عالم الاجتماع ديفيد أ. كارب في كتابه المهم (التحدّث عن الحزن: الاكتئاب، والانفصال، ومعاني المرض) الصادر عام 1996:
«إن حكاية كل شخص عن الاكتئاب تتناول حتمًا مسائل العزلة، والانطواء، وغياب الاتصال. وينشأ ألم الاكتئاب جزئيًا من الانفصال عن الآخرين؛ ومن العجز عن التواصل، حتى في الوقت الذي يتوق فيه المرء بشدة إلى مثل هذا التواصل» (David A. Karp, 1996, pp. 26–27)
والمؤسف أن المشكلة لا تتمثّل في الفشل الفعلي في التواصل مع عدد من الناس، وربما حتى مع الجميع؛ «بل إن نوعًا من التواصل «البين-شخصي»، الذي يأخذه كثير منا كأمرٍ مُسلَّم به، يبدو مستحيلًا، كأنه غائب عن العالم».
هذه مقتطفات عابرة ولا تنقل صورة دقيقة عن الكتاب، ولكن أحببت نقل بعض ما لفت انتباهي، لعله يثير تأملًا نافعًا أو فكرةً صالحة في قارئ ما!

في آخر الكلام "وينشأ ألم الاكتئاب جزئيًا من الانفصال عن الآخرين؛ ومن العجز عن التواصل"، ذكّرني بخلاصة توصّل لها عبدالرحمن ذاكر الهاشمي علميا في دراسته وعمليا في عيادته: وهي ان كل مشاكل الناس النفسية التي يشكون منها، كانت اكتئاب بانواعها او غير ذلك من صور الامراض النفسية، تتعلُق شبه دائما ب*الآخر*. وقول الدكتور ان العلاج وجذر كل هذه المشاكل في حقيقته تتعلق بالعقل اي في طريقة التفكير وقراءة النفس والواقع.
وفي هذا الاقتراح ملحظان، الاول يتصل باطار هذا المقال وهو فهم الاكتئاب من منظور ظاهراتي، فكأن الدكتور عبدالرحمن يقول حقيقة الاكتئاب ليست في العلاقة بالآخرين والعالم من حولنا، ولكن في طريقة قرائتنا لها التي تحدد نوعية التحربة الوجودية لها.
اما الملحظ الثاني فان قول الدكتور "الناس يشكون من الناس، ولكن حقيقة مشكلتهم في طريقة تفكيرهم" = دليل على قول الكاتب ان اهل الاكتئاب لا يستطيعون التعبير عن الاكتآب الذي يمرون، وحقيقة عدم القدرة على التعبير فيه دليل على عدم القدرة على التفكير، فان التفكير السليم شرط للتعبير القويم.
وعادةً ما يختم الدكتور عبدالرحمن كلامه بقول ابن القيّم في لوحته الفنية مدارج السالكين: وهل آفة الناس إلا الناس؟
---------------------------------
وهذا نص كلامه رحمه الله وشيخه العلّامة:
🛑المفسد الأول: كثرة المخالطة:
فأما ما تؤثره كثرة الخلطة: فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، ويوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما، وضعفا، وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم. فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟
هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية. وهل آفة الناس إلا الناس؟
وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا، وقضاء وطر بعضهم من بعض، تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة، ويعض المخلط عليها يديه ندما، كما قال تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني }(الفرقان:27-29).
وقال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين }(الزخرف:67)، وقال خليله إبراهيم لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين }(العنكبوت:25)، وهذا شأن كل مشتركين في غرض يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله، فإذا انقطع ذلك الغرض، أعقب ندامة وحزنا وألما وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة، وذما من بعضهم لبعض.
والضابط النافع في أمر الخلطة: أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات.
فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، ولم يمكنه اعتزالهم: فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لابد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر. ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له، وتعظيم وثناء عليه منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين، وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له، ومقت، وذم منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين. فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة، وأحمد مآلا.
وان دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه.