Discussion about this post

User's avatar
Sad Alarmouti's avatar

في آخر الكلام "وينشأ ألم الاكتئاب جزئيًا من الانفصال عن الآخرين؛ ومن العجز عن التواصل"، ذكّرني بخلاصة توصّل لها عبدالرحمن ذاكر الهاشمي علميا في دراسته وعمليا في عيادته: وهي ان كل مشاكل الناس النفسية التي يشكون منها، كانت اكتئاب بانواعها او غير ذلك من صور الامراض النفسية، تتعلُق شبه دائما ب*الآخر*. وقول الدكتور ان العلاج وجذر كل هذه المشاكل في حقيقته تتعلق بالعقل اي في طريقة التفكير وقراءة النفس والواقع.

وفي هذا الاقتراح ملحظان، الاول يتصل باطار هذا المقال وهو فهم الاكتئاب من منظور ظاهراتي، فكأن الدكتور عبدالرحمن يقول حقيقة الاكتئاب ليست في العلاقة بالآخرين والعالم من حولنا، ولكن في طريقة قرائتنا لها التي تحدد نوعية التحربة الوجودية لها.

اما الملحظ الثاني فان قول الدكتور "الناس يشكون من الناس، ولكن حقيقة مشكلتهم في طريقة تفكيرهم" = دليل على قول الكاتب ان اهل الاكتئاب لا يستطيعون التعبير عن الاكتآب الذي يمرون، وحقيقة عدم القدرة على التعبير فيه دليل على عدم القدرة على التفكير، فان التفكير السليم شرط للتعبير القويم.

وعادةً ما يختم الدكتور عبدالرحمن كلامه بقول ابن القيّم في لوحته الفنية مدارج السالكين: وهل آفة الناس إلا الناس؟

---------------------------------

وهذا نص كلامه رحمه الله وشيخه العلّامة:

🛑المفسد الأول: كثرة المخالطة:

فأما ما تؤثره كثرة الخلطة: فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، ويوجب له تشتتا وتفرقا وهما وغما، وضعفا، وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم. فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟

هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة، وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية. وهل آفة الناس إلا الناس؟

وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا، وقضاء وطر بعضهم من بعض، تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة، ويعض المخلط عليها يديه ندما، كما قال تعالى: {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني }(الفرقان:27-29).

وقال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين }(الزخرف:67)، وقال خليله إبراهيم لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين }(العنكبوت:25)، وهذا شأن كل مشتركين في غرض يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله، فإذا انقطع ذلك الغرض، أعقب ندامة وحزنا وألما وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة، وذما من بعضهم لبعض.

والضابط النافع في أمر الخلطة: أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة، ويعتزلهم في الشر وفضول المباحات.

فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، ولم يمكنه اعتزالهم: فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لابد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر. ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له، وتعظيم وثناء عليه منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين، وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له، ومقت، وذم منهم، ومن المؤمنين، ومن رب العالمين. فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة، وأحمد مآلا.

وان دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه.

6 more comments...

No posts

Ready for more?