نظرية التعلّق أسطورة ؟
لابد أنه مرّ بك حديث هنا أو هناك عن نظرية التعلّق/ الارتباط
Attachment Theory لأن المحتوى النفساني في السنوات الأخيرة هو الأكثر شيوعًا وجاذبية، حتى الخوارزميات من المحتمل أنها تفضّل هذا اللون من المحتوى لكونه يثير تفاعلات ومشاعر قوية ربما تبقي المستخدم داخل صندوق الشبكات مدة أطول. أو ربما قرأت كتابًا مما ترجم حديثًا عن الموضوع (أحصيتُ ٦ كتب ترجمت مؤخرًا، أعجبني سهولة وسلاسة كتاب أمير ليفين).
ما التعلّق/ الارتباط؟
حسنًا، لا أطيل التقديم، ما التعلّق/ الارتباط؟ بنوع من الاختزال: هي أطروحة نفسية تقوم على أن الإنسان يولد بحاجة فطرية للشعور بالأمان، ويبحث عنه عبر علاقة قريبة مع مقدم الرعاية. عندما يستجيب هذا الشخص بسرعة ودفء وثبات، يتكوّن لدى الطفل شعور بأن العالم آمن وأن الآخرين جديرون بالثقة. أما إذا كانت الاستجابة متقلبة أو باردة أو مخيفة، فقد ينشأ لديه قلق أو تجنّب أو شعور بعدم الأمان.
تتبلور من هذه التجارب صورة داخلية عن الذات والآخرين (هل أنا جدير بالحب؟ وهل يمكن الاعتماد على الآخرين؟…الخ)، وهذه الصورة تؤثر لاحقًا في علاقاته وصحته النفسية. ومع ذلك، تبقى أنماط التعلّق قابلة للتغيير من خلال علاقات آمنة وخبرات تصحيحية لاحقة.
الافتراضات الكبرى
تشير النفسانية الألمانية هايدي كيلر في كتابها "أسطورة نظرية التعلّق" إلى ورقة النفساني الهولندي فان آيزندورن التي نشرها في عام 1990 وقرر فيها أربعة افتراضات أساسية في نظرية التعلّق، وذاعت وأصبحت لاحقًا جزءًا من الأدبيات المرجعية في هذا الحقل، وهي:
أولًا: افتراض العالمية Universality Assumption
ينصّ هذا الافتراض على أن الطفل يُكوِّن علاقة تعلّق بشخص واحد أو بعدد محدود من الأشخاص متى ما أتيحت له الفرصة لذلك، شريطة عدم وجود تلف عصبي-فسيولوجي.
وهنا تنتبه كيلر إلى ما ينطوي عليه من مسلّمات ضمنية، مثل: من الذي يُعدّ شخصية تعلّق؟ وكيف يُعرَّف التعلّق أصلًا؟ وما المعايير المعتمدة في تحديده؟.
ثانيًا: افتراض المعيارية Normativity Assumption
يفيد هذا الافتراض بأن غالبية الأطفال يطوّرون نمط تعلّق آمنًا إذا لم تكن الظروف السياقية مهدِّدة لبقائهم أو لصحتهم.
وترى كيلر أن هذا الافتراض يعيد إحياء الادعاء الإشكالي بأن التعلّق الآمن يمثل غاية تطورية. كما يُفترض أن أنماط التعلّق غير الآمن تنتشر في بيئات الفقر، خاصة عندما يكون مستوى التعليم الرسمي منخفضًا، وحجم الأسرة كبيرًا (أي وجود عدد كبير من الأطفال). ويتضمن هذا الطرح بدوره مسلّمات ضمنية، من بينها اعتبار الأبعاد السياقية المذكورة عوامل خطر على نمو الطفل!
ثالثًا: افتراض الحساسية Sensitivity Assumption
يشرح هذا الافتراض العلاقة بين جودة التعلّق وسوابق التنشئة، ولا سيما استجابة مقدم الرعاية السريعة والحساسة لإشارات الرضيع. غير أن هذا الطرح -بحسب كيلر- لا يأخذ في الاعتبار الانتقادات التي وُجّهت إلى مفهوم “الحساسية” ذاته، كما لا تُناقَش نتائج التحليلات البعدية التي أظهرت أن العلاقة بين الحساسية وأمن التعلّق ليست قوية، بل متوسطة فحسب. ومع ذلك، يُقدَّم بعضهم تعريف للحساسية بوصفه تعريفًا ذا طابع كوني أو عالمي!
رابعًا: افتراض الكفاءة (Competence Assumption)
ينصّ هذا الافتراض على أن التعلّق الآمن يشكّل أساسًا سابقًا لنتائج نمائية إيجابية في مجالات متعددة. غير أن البعض يشكك في جملة من العلاقات المتعددة التي وردت في الأبحاث، والتي لا يمكن اشتقاقها مباشرة من النظرية، وربما تكون متوسَّطة بمتغيرات أخرى. وبعض هذه العلاقات ذات طبيعة ارتباطية فحسب، أي أنها تتزامن في الحدوث دون أن تثبت علاقة سببية مباشرة بينها. كما لا يُؤخذ في الحسبان التباين الثقافي في تحديد معنى “الكفاءة” أو ما يُعدّ إنجازًا نمائيًا إيجابيًا.
التعلّق الغربي!
بكل وضوح تقرر هايدي كيلر أن
«نظرية التعلّق وافتراضاتها الأساسية متجذّرة في تصور معيّن للإنسان يرتبط بثقافة محددة وحقبة تاريخية بعينها، هي ثقافة النخب الاجتماعية في الطبقة الوسطى الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. ويتجلى هذا التصور للإنسان جزئيًا بصورة صريحة في افتراضات نظرية التعلّق الأساسية، كما هو الحال عندما تشير ماري أينسورث مباشرة إلى الإرادة الحرة للرضيع بوصفه كائنًا قصديًا عند تعريفها لمفهوم الحساسية Sensitivity».
وتنعي على الباحثين الانجراف غير النقدي، ولا غرابة في ذلك، فـ«إدراكنا، وأنظمة معالجة المعلومات لدينا، تتشكل بفعل التأكيدات والقيم الثقافية السائدة. ولذلك نميل إلى تصديق المعلومات التي تنسجم مع رؤيتنا العامة للعالم ومع القاعدة المعرفية التي اكتسبناها. وفي المقابل، نميل إلى تجاهل المعلومات المخالِفة، أي تلك التي تتعارض مع منظومتنا المعرفية. وينطبق ذلك أيضًا على كيفية تلقّينا للأدبيات البحثية؛ فالنتائج التي لا تؤكد توقعاتنا غالبًا ما يُسعى إلى التقليل من شأنها أو تقييدها، مثل الإشارة إلى نقائص منهجية فيها (انظر مثلًا: Mesman, van IJzendoorn & Sagi-Schwartz, 2016)».
وتحديدًا هذه الرؤية للعلاقات من منظور التعلّق والارتباط تأثرت بشدة بموطنها الأصلي، وتشرح هايدي كيلر الأمر بإسهاب مهم:
«تشكّلت رؤية الطبقة الوسطى الغربية للعالم تدريجيًا حول الاستقلالية بوصفها قيمة مركزية. وتُفهم الاستقلالية هنا بمعنى الاستقلال الفردي، وحرية الإرادة، وحق الاختيار بين بدائل متعددة. وقد تعزّز هذا التوجه عبر نزعة باطنية متنامية، أي الرجوع إلى العالم الذاتي الداخلي بوصفه مرجعًا، وهو ما وصفه تشارلز تايلور (1992) بمفهوم “الهوية الحديثة”. ومع ازدياد التأمل الذاتي وتفكك الأدوار الاجتماعية الثابتة، أصبح الإنسان مضطرًا إلى الاعتماد على ذاته بدرجة أكبر. كما تعزّز النشاط العقلي والقدرة على “التمثّل العقلي mentalizing" بفضل ارتفاع مستويات التعليم النظامي، الذي أتاح التعبير اللفظي عن الحالات الداخلية والتفكير فيها.
وقد اقترحت توصيف هذا النوع من الاستقلالية بمصطلح الاستقلالية النفسية Psychological autonomy ومن المهم التأكيد على أن مفهوم الاستقلالية يمكن تعريفه بطرق مختلفة، وأن الاستقلالية النفسية ليست إلا نمطًا واحدًا من أنماطها، يظهر في ظل شروط سياقية معينة. وينطبق هذا التنوّع أيضًا على مفهوم الارتباط أو التعلّق الاجتماعي (relatedness) بوصفه حاجة إنسانية أساسية أخرى (Keller, 2011; Keller & Kärtner, 2013).
تعكس الاستقلالية النفسية هيمنة المنظور الفردي الذاتي في رؤية العالم وتقييمه. إذ يراقب الفرد إمكاناته الخاصة، ويسعى إلى ممارسة أكبر قدر ممكن من السيطرة على رغباته ونواياه. ويشمل ذلك حق التعبير الحر عن احتياجاته وآرائه، واتخاذ القرارات المتعلقة بشؤونه الخاصة بقدر الإمكان. كما يتضمن إظهار المشاعر وتنظيمها بصورة فردية. ومن هنا ينشأ شعور بالكفاءة الذاتية يُنظر إليه بوصفه الأساس لنمو شخصية سليمة.
ويترتب على فهم الاستقلالية فهمًا نفسيًا آثارٌ مهمة على تصور العلاقات الاجتماعية؛ فالأفراد الذين يفكرون ويشعرون بصورة مسؤولة بوصفهم ذواتًا مستقلة يحترمون الحدود الذاتية للآخرين، وينظمون رغباتهم ونواياهم تجاههم في ضوء مصالحهم الخاصة. وهذا يتطلب مهارة الحزم بوصفها كفاءة اجتماعية أساسية. ويتمتع الأفراد بحدود شخصية واضحة.
كما يكتسب التوجّه نحو العالم الموضوعي أهمية خاصة؛ أي إدراك العالم بوصفه مكوّنًا من موضوعات وأشخاص منفصلين عن الذات، والتعامل معهم ضمن حدود واضحة بين “الأنا” و”الآخر” و”العالم الخارجي”. ويُعدّ التعبير اللفظي عنصرًا محوريًا في كلٍّ من التأمل الذاتي والتواصل مع الآخرين.
ويمكن توصيف الاستقلالية النفسية بالسمات التالية: الفردية والتميّز، التركيز على الحالات الداخلية (الرغبات، الآراء، النوايا)، التوجّه نحو العالم الموضوعي (وضوح التمييز بين الذات والموضوع)، الغنى أو التفصيل في التعبير اللفظي، الإيجابية الانفعالية بوصفها الانفعال الأساسي.
وتقوم ممارسات التنشئة والتصورات التربوية في سياق الطبقة الوسطى الغربية على نموذج ثقافي يتمحور حول الاستقلالية النفسية، وهو بعينه الإطار الثقافي الضمني الذي تنبثق منه نظرية التعلّق. ومن هذا النموذج تنبثق أيضًا مجموعة من الافتراضات غير المصرَّح بها التي يُتعامل معها بوصفها بديهيات».
نقد الافتراضات
تعرّج هايدي كيلر على الافتراضات المذكورة، وترى أنه من منظور فلسفة العلم، ولا سيما من منظور عابر للثقافات، يمكن القول إن الافتراضات الأساسية لنظرية التعلّق تتسم بما يلي:
أنها فضفاضة وغير واضحة، مثلًا فيما يتعلق بتعريف التعلّق، ونموذج العمل الداخلي (internal working model)، ومفهوم الاستكشاف.
أنها غير صحيحة في بعض جوانبها، كاشتقاقها التطوري وافتراضها القابلية العامة للتكيّف.
أنها منحازة أيديولوجيًا، إذ لا تأخذ في الاعتبار إلا الواقع الثقافي للطبقة الوسطى الغربية.
وبناءً على ذلك، تقرر أن «نظرية التعلّق لا تستوفي أيًّا من معايير النظرية العلمية السليمة»، وتذهب للقول محقةً أن «النمو العلاقي ليس منفصلًا عن الزمان والمكان؛ فهو يتشكل ضمن سياقات تاريخية وثقافية محددة. ومن ثمّ، فإن محاولة فرض مسار ثقافي واحد بوصفه النموذج الكوني تُعدّ تدخّلًا إقصائيًا ميالًا للهيمنة».



للمزيد انظر مثلا:
Viding, E. (2017). The overrated predictive power of attachment. The Psychologist. https://www.bps.org.uk/psychologist/overrated-predictive-power-attachment
-
Fraley, R. C. (2002).
Attachment stability from infancy to adulthood: Meta-analysis and dynamic modeling.
Personality and Social Psychology Review.
-
O’Neill MC, Badovinac S, Pillai Riddell R, Bureau J-F, Rumeo C, Costa S (2021) The longitudinal and concurrent relationship between caregiver sensitivity and preschool attachment: A systematic review and meta-analysis. PLoS ONE 16(1).
تنبيه: من عيوب هذا الموقع عدم إتاحة التعديل بعد النشر، فأعتذر عن الأخطاء في النص أعلاه!