«هناك بعض الأسئلة عن العالم الحديث أجدها، في حد ذاتها، جديرةً بالاهتمام على نحو لا يحتاج إلى تبرير:
لماذا تبدو وسائل الإعلام الإخبارية حريصةً إلى هذا الحد على أن تخبرك طوال الوقت بمدى سوء العالم
ولماذا صار كثيرون منا مهووسين بتشتيت أنفسهم، وبمحاولة إدارة انتباههم؟
ولماذا يصعب علينا إلى هذا الحد أن نتوقف عن مقارنة أنفسنا بالآخرين؟
ولماذا يبدو كل شيء في الفن والتصميم متشابهًا هذه الأيام؟
قبل أسبوع واحد، لم أكن أظن أن بين هذه الأسئلة صلةً ما. ولست واثقًا من أنني كنت سأقول إن لديّ إجابةً جيدة عن معظمها. وبالتأكيد لم أكن لأغامر بالقول إن نظريةً واحدة يمكن أن تبدأ في تفسيرها جميعًا، دفعةً واحدة.
لكنني حظيت بعد ذلك بمتعة الحديث مع أغنيس كالارد (أستاذة الفلسفة في جامعة شيكاغو) عن نظريتها الجديدة التي تسميها «السياق الموحَّد the uni-context».
وكانت هذه، بلا مبالغة، واحدةً من أكثر المحادثات إثارةً للاهتمام التي أجريتها طوال هذا العام. وما إن تسمع هذه الفكرة أو تقرأ عنها، حتى أظن أنك ستجد صعوبةً في ألا تعود إلى التفكير فيها مرارًا.
ومن الطرق المفيدة لتهيئة ذهنك لنظرية كالارد عن «السياق الموحَّد» أن تبدأ بالمفهوم الأشهر المعروف باسم «انهيار السياق context collapse». فإذا نشرت شيئًا على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد يراه في اللحظة نفسها مديرك، ووالداك، وشريكك السابق، وغرباء لا تعرفهم. وفي حياتك خارج الإنترنت، قد تكون علاقتك بكل واحدة من هذه الجماعات مختلفة تمامًا: فقد تتعامل بتحفّظ واحترام مع مديرك، وتتصرف بشيء من الطفولية مع والديك، وتميل إلى المزاح الفاحش مع أصدقائك. لكن هذه الفروق كلها تتسطح على الإنترنت وتختفي.
هذا هو «انهيار السياق»، ويمكن فهمه بوصفه جوابًا عن السؤال الآتي: كيف تتغير أعراف تداول المعلومات عندما نعيش جميعًا، على نحو ما، في غرفة واحدة شاملة؟
أما كالارد فتمضي بهذه الفكرة إلى مدى أبعد بكثير. فهي تسأل: ماذا يحدث لسائر معاييرنا وأعرافنا (أخلاقنا، ومبادئنا، وتصورنا لما هو خير لنا وللآخرين) عندما نظل نتخيل أنفسنا باستمرار كأننا نعيش في غرفة واحدة شاملة تضم الجميع؟
والروابط التي تقيمها كالارد بين هذه الظواهر مفاجئة على الدوام، ومضحكة في أحيان كثيرة، وتنتهي بك في النهاية إلى إعادة النظر جذريًا في الطريقة التي تفكر بها في العالم!
وفيما يلي الحوار، بعد تحريره طلبًا للوضوح والاختصار والبساطة [وقمت أنا عبدالله باختصاره أيضًا]:
ديريك تومبسون: ما «السياق الموحَّد»؟
أغنيس كالارد: لنبدأ بكلمة «السياق». السياق هو مجموعة الظروف التي تخبرك كيف ينبغي لك أن تتصرف. وعلى امتداد معظم التاريخ البشري، كانت السياقات محلية ومتعددة. فإذا أردت أن تعرف كيف تتصرف، نظرت من حولك: هل أنا في حقل؟ أم في بيتي؟ أم في كنيسة؟ أم في حانة؟ وكان مجرد النظر إلى المكان الذي أنت فيه، وإلى الأشخاص المحيطين بك والطريقة التي يتصرفون بها، يمنحك فورًا تصورًا عما ينبغي أن تفعله.
أما «السياق الموحَّد»، فهو الحالة التي تصبح فيها الطريقة التي ينبغي أن تتصرف بها واحدةً في جميع السياقات المختلفة. فلا يعود هناك إلا مجموعة واحدة من القواعد والمعايير ينبغي لك اتباعها في كل وقت، بصرف النظر عن السياق.
ديريك تومبسون: أريد أن أتحدث عن بعض ما يترتب على فكرة «السياق الموحَّد». إذا نظرنا إلى العالم من خلالها، فما الأشياء التي ستغدو مفهومة بعد أن كانت تبدو غامضة؟ من ذلك مثلًا تصاعد «الانحياز إلى السلبية negativity bias». فعندما تدخل الإنترنت، تجد تركيزًا كبيرًا على ما هو سيئ. لماذا تفسر هذه النظرية عالمًا ينشغل فيه الناس بالسيئ أكثر من الجيد؟
أغنيس كالارد: لأن الخير، في الغالب، أشد ارتباطًا بالسياق من الشر. فلا يوجد تقريبًا شيء يكون خيرًا للجميع في كل وقت، بمعزل عن الظروف. فالسعادة تعتمد على حال الإنسان وعلى ظروفه، وليس هناك شيء واحد يسعد كل إنسان دائمًا. أما التعاسة، فهناك أشياء يمكن أن تجعل الناس تعساء على نحو أكثر ثباتًا وعمومية. وهناك شرور تكاد تكون مشتركة بين البشر جميعًا: الموت، والألم، والمرض، والعنف. وحتى إذا كان شخص ما يعيش في ظروف بعيدة جدًا عن ظروفك، فإنك إذا رأيته يتعرض لشيء من ذلك، أمكنك أن تدرك أنه يعاني وأن تفهم معاناته.
ولهذا يمكن أن نتوقع أن الناس على الإنترنت، حين يحاولون مخاطبة جماعات كبيرة ومختلفة، سيميلون إلى التركيز على الأشياء التي يفهمها الجميع ويتفاعلون معها.
تخيّل شخصين غريبين يلتقيان على الإنترنت ويحاولان أن يجدا موضوعًا مشتركًا يتحدثان فيه ويهتمان به معًا. ما الموضوع الأرجح؟ في الغالب سيكون شيئًا سيئًا…
ديريك تومبسون: من النتائج لفكرة «السياق الموحَّد» أنها تجعل الهوية أهم من الشخصية. كيف يحدث ذلك؟ ولماذا؟
أغنيس كالارد: لنبدأ أولًا بتعريف الشخصية. ولعل مجرد حاجتي إلى تعريفها لك أمر له دلالته؛ فهذه الكلمة لم تعد مألوفة لنا كما كانت من قبل. الجميع يعرف ما الهوية، لكننا لم نعد واثقين تمامًا مما نعنيه بالشخصية.
تشير الشخصية إلى مجموعة من الاستعدادات والميول التي تحدد الطريقة التي تتصرف بها انفعاليًا في ظروف مختلفة. فالشخص الشجاع، مثلًا، يتعامل مع مشاعره بطريقة معينة عندما يواجه الخوف. وقد يكون الإنسان سريع الغضب، أو كريمًا. وبعبارة أخرى، شخصيتك هي مجموعة من الميول الثابتة نسبيًا التي تحدد كيف تستجيب لطائفة واسعة من المواقف.
لكن المشكلة في الشخصية أنها لا تظهر بالطريقة نفسها في كل ظرف. لنفترض أنني سريعة الغضب ويسهل استفزازي. حتى الشخص سريع الغضب لا يكون غاضبًا طوال الوقت. وقد أجد نفسي في موقف يغضب فيه الجميع، وعندها لن تستطيع أن تكتشف أن سرعة الغضب سمة خاصة بي؛ لأنني وإن كنت غاضبة، فإن الجميع غاضبون أيضًا.
ولهذا فإن فهم شخصية إنسان يحتاج إلى قدر كبير من السياق. لكي تعرف شخصية شخص ما حقًا، عليك أن تعرفه جيدًا، وأن تراه في مواقف وظروف مختلفة، قبل أن تستطيع استخلاص حكم عام عليه.
أما فئات الهوية، مثل أن تكون امرأة، أو أمريكيًا، فاللافت فيها أنك تنتمي إليها في جميع الظروف. فلا يوجد ظرف أتوقف فيه عن كوني امرأة. الهوية أشبه بقبعة لا تخلعها أبدًا.
ولهذا فإن الهوية تلائم عالم «السياق الموحَّد» تمامًا!
ديريك تومبسون: قل لي هل أفهم كلامك جيدًا حتى الآن؟
في معظم التاريخ البشري، كان الناس يعرفون ما ينبغي فعله بحسب المكان والسياق. للبيت قواعده، وللكنيسة قواعدها، وكذلك للمدرسة والحانة ومجلس العزاء. أما اليوم، فكأننا نعيش طوال الوقت في فضاء واحد مشترك، ونفترض أن لهذا الفضاء قيمًا وقواعد عامة تنطبق على الجميع.
ويترتب على ذلك عدة أمور:
أولًا، يقل حديثنا عن الخير، لأن ما نعدّه خيرًا يختلف باختلاف الناس والظروف، ونميل بدلًا من ذلك إلى ما يمكن الاتفاق عليه على نطاق واسع. ولأن الاتفاق على ما هو سيئ أسهل من الاتفاق على ما هو جيد، يزداد تركيزنا على السلبيات.
وثانيًا، لأن الشخصية لا تُعرف إلا من خلال رؤية الإنسان في مواقف مختلفة، يقل حديثنا عنها، ويزداد حديثنا عن الهوية، لأنها تلازم الإنسان في كل سياق.
وهناك نتيجة ثالثة ينبغي أن نتوقف عندها. حين يصبح الجميع في مجال واحد للمقارنة والتقييم، تصبح المقارنة نفسها جزءًا لا ينفصل عن الحياة.
أغنيس كالارد: بالضبط.
تومبسون: فكيف يقود «السياق الموحَّد» إلى عالم تكثر فيه المقارنة والمنافسة؟
كالارد: تخيّل منطقتين تعليميتين، في كل واحدة منهما مدرسة ثانوية تختلف قليلًا عن الأخرى. إذا كنت تسكن في المنطقة «أ»، تذهب إلى المدرسة «أ»، وإذا كنت في المنطقة «ب»، تذهب إلى المدرسة «ب». وقد تعرف أشياء كثيرة عن المدرستين، لكنك لا تشعر بحاجة كبيرة إلى المقارنة بينهما؛ فأنت ببساطة تذهب إلى المدرسة التابعة لمنطقتك.
ثم تتغير القاعدة، ويصبح من حقك أن تلتحق بأي من المدرستين مهما كان مكان سكنك. هنا تبدأ المقارنة فورًا. المعلومات كانت موجودة من قبل، لكن لم يكن لديك سبب حقيقي للمفاضلة، لأن المدرستين لم تكونا خيارين مطروحين أمامك في المجال نفسه.
أما الآن فقد أصبحتا كذلك، فتبدأ بمقارنتهما: أيهما أعلى في نسب التخرج؟ وإلى أي جامعات يذهب طلاب كل منهما؟ وكم مقررًا متقدمًا «AP» تقدمان؟
وهذه المقارنات تغير المدرستين نفسيهما. فلنفترض أن الإقبال بدأ يقل على إحداهما لأنها لا تقدم مقررات متقدمة كثيرة. ربما كانت تفضل مناهج مصممة بحسب احتياجات الطلاب، لكن الطلاب صاروا يتجهون إلى المدرسة الأخرى. عندها ستقول: «علينا نحن أيضًا أن نقدم مقررات AP».
وهكذا تدفع المنافسة المدرستين إلى التشابه. وليس هذا هو الاحتمال الوحيد؛ فقد تختار كل واحدة منهما أن تتخصص في شيء مختلف. لكن إذا لم يوجد بينهما نوع من الفصل الذي يجعل لكل منهما وظيفة خاصة، فإن المقارنة ستدفعهما في الغالب إلى مزيد من التجانس.
وكلما دخلت أشياء أكثر في مجال واحد للتقييم، بدأت تقارن بين أشياء لم يكن يخطر لك من قبل أن تضعها في مقارنة واحدة.
تومبسون: إذن هناك ثلاث مراحل أحاول أن أميز بينها:
أولًا: ظهور «السياق الموحَّد».
ثانيًا: اتساع مجال المقارنة.
وثالثًا: ما ينتج عن هذه المقارنة من تشابه وتجانس.
وهنا تحديدًا، بالنسبة إليّ، تبدأ النظرية في إظهار قوتها الحقيقة، لأنني أفكر مباشرة في الرياضة. فعندما وصلت ثورة التحليلات الإحصائية إلى لعبة البيسبول، أصبحت جميع الفرق تقريبًا تملك الإحصاءات نفسها التي يمكن من خلالها مقارنة اللاعبين.
في السابق، كان لكل واحد من الفرق الثلاثين كشافوه الخاصون، ولذلك كان تقييم اللاعبين أكثر اعتمادًا على السياق وعلى رؤية كل فريق. أما حين تصبح مؤشرات سهلة الحساب، هي الطريقة المعتادة للحكم على جودة اللاعب، فإن جميع اللاعبين يدخلون فجأة في مجموعة مقارنة واحدة. ويصبح بإمكانك ببساطة أن ترتبهم من الأول إلى الرقم 250 في جدول بيانات.
لكن التحليلات الإحصائية لم تؤد فقط إلى مزيد من الحساب والمقارنة، بل أدت أيضًا إلى مزيد من التشابه في الاستراتيجيات. ومن أبرز الانتقادات الموجهة إلى البيسبول اليوم أن جميع الفرق باتت تفعل الشيء نفسه تقريبًا: الاستراتيجيات نفسها للرماة، والاستراتيجيات نفسها للضاربين، والتركيز على «النتائج الثلاث الحقيقية»، وكل ضارب يحاول إرسال الكرة إلى خارج الملعب. وهكذا ينشئ «السياق الموحَّد» مجالًا مشتركًا للمقارنة، هو هنا التحليل الإحصائي، ثم يقود هذا بدوره إلى التجانس.
أغنيس كالارد: ما قلته ذكّرني بأن لدي تصورًا عن اللحظة التي حدث عندها التحول الحقيقي نحو «السياق الموحَّد». لا أظن أنه بدأ قبل خمس أو عشر سنوات. اللحظة التي ظهر فيها بوضوح كانت نحو عام 1910.
قبل قرن تقريبًا، كان هناك كثير من الناس ينظرون إلى العالم ويتساءلون: ما الذي يحدث بحق؟ هل أصاب الثقافةَ شيء من الانهيار؟ وكان عدد كبير من هؤلاء روائيين، فكتبوا نوعًا جديدًا من الرواية هو «الرواية الحداثية»، وهي في أحد وجوهها رواية عن كيفية العيش في عالم بدأ فيه «السياق الموحَّد» يتشكل لتوه.
أما منظّرو ذلك العصر، مثل جورج زيمل وماكس فيبر ومارتن هايدغر، فقد أدركوا أن شيئًا غريبًا يجري. لكنهم وصفوه غالبًا بعبارات تبدو، للوهلة الأولى، نقيضًا لفكرة «السياق الموحَّد». كانوا يتحدثون عن تشظّي كل شيء وتفككه. وفجأة، كما قالوا، بدا العالم وكأنه يتفتت من جميع الجهات. وكانت هذه أول إشارة لفتت انتباهي.
وقد خطر لي هذا لأنك قلت إن كل شيء يتجه إلى التجانس. وفكرت: نعم، هذا صحيح من وجه، لكنه أثر متأخر. فالشيء الأول الذي يحدث حين تدخل أشياء كثيرة ومختلفة في مجال واحد للتقييم هو أنك تشعر بأنك غارق في كثرة الخيارات. ويبدو لك العالم متشظيًا، لأنك لا تعرف بعد كيف تقارن بين هذه الأشياء، ولم تطور بعد الأدوات التي تسمح لك بإجراء هذه المقارنات.
ولهذا كان الإحساس الأول الذي ولّده «السياق الموحَّد» هو إحساس بتفكك العالم.
فلو كنت فلاحًا في العصور الوسطى وتمارس الفن، لكنت داخل عالم الفن ومعاييره الخاصة. وإذا دخلت الكنيسة، أصبحت داخل عالم الكنيسة ومعاييرها. أما في القرن العشرين، ولا سيما مع الحرب العالمية الأولى، فقد بدأت أسئلة من نوع مختلف تطرح نفسها: كيف نفهم معلّم المدرسة الذي يتحول إلى قاتل، أي الجندي؟ وكيف نفكر في العلاقة بين الفن والدين؟
لقد بدأنا فجأة نحاول وضع قيم كثيرة ومختلفة داخل سياق واحد ومقارنتها بعضها ببعض، فبدا العالم فاقدًا لوحدته.
ثم ظهرت مع الوقت أدوات وتقنيات تتيح لنا أن نجعل هذه الأشياء المختلفة قابلة للمقارنة. وما يعنيه «التشظي» في الحقيقة -وهو الجانب الذي لم يكن ظاهرًا لهؤلاء الكتّاب- هو أن كل شيء أصبح فجأة داخل مجال واحد للتقييم. ولهذا صرت تختبر الأشياء بوصفها كثرة متزامنة، بعدما كنت تعيش في كل مرة داخل عالم واحد مستقل بذاته.
ديريك تومبسون: أمامي الآن مقال لجورج زيمل كنتِ قد طلبتِ مني قراءته، وهو «المدينة الكبرى والحياة العقلية The Metropolis and Mental Life» [مترجمة للعربية]، وقد نُشر في مطلع القرن العشرين. وفيه يقول: «يحل المال محل التعدد الهائل في الأشياء، ويحوّل جميع الفروق الكيفية بينها إلى فروق في المقدار. وبقدر ما يستطيع المال أن يصبح مقياسًا مشتركًا لجميع القيم، فإنه يغدو أداة تسوية هائلة؛ إذ تصبح الأشياء كلها على مستوى واحد، ولا يعود ما يميز بينها سوى مقاديرها». يلمس زيمل هنا فكرة أن المعايير المحلية في العالم الحديث بدأت تذوب، وأن ما يحل محلها هو منطق المال النفسي، أو ما يمكنني أن أعيد تسميته بمنطق السوق.
وما الذي تجيده الأسواق تحديدًا؟ إنها تجيد خلق مجال واحد للمقارنة. فهذه هي الطريقة التي تنسق بها الأسعار والعرض والطلب. لا غرابة في أن يكون هناك سوق للجزر والبيض، لكننا اليوم نرى أيضًا، في عالم المواعدة، سوقًا للعازبين، وفي الرياضة سوقًا للاعبين يمكن مقارنتهم عبر مؤشرات تحليلية محددة، وهي مؤشرات تؤدي بدورها إلى تسطيح الفروق وتوحيد الاستراتيجيات.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم نظريتك عن «السياق الموحَّد» بوصفها قولًا إن التجربة الحديثة تقوم، في جانب منها، على وعينا بأننا أصبحنا جميعًا مشاركين في سوق عالمية لم نكن جزءًا منها من قبل. فعندما أنشر شيئًا على تويتر، أعرف أن جمهورًا هائلًا قد يراه، وأن منشوري سيدخل في منافسة مع منشورات الآخرين على الاهتمام، وسيتلقى ما يشبه التصويت صعودًا وهبوطًا داخل سوق الانتباه هذه.
وكلما عشنا داخل مزيد من هذه الأسواق، تغيرت الطريقة التي نفكر بها في أنفسنا وفي قيمنا. هل أبالغ هنا في استخدام لغة السوق، بحيث أبتعد عن نظريتك؟
أغنيس كالارد: في الطريقة التي تصوغ بها الفكرة شيء صحيح على المستوى الحدسي. لكن لفهم هذا الاقتباس لا بد من إدخال نظرية زيمل في المال. فلزيمل كتاب بعنوان «فلسفة المال The Philosophy of Money» [مترجم للعربية]، يحاول فيه أن يشرح ماهية المال في جوهره، وإجابته ليست: السوق. والكتاب يعرّف المال، على الأرجح، عشرات المرات، لكنني سأختار تعريفًا واحدًا: المال هو التجريد في مجال القيمة. إنه قيمة مجردة.
أما سائر مفاهيم القيمة، فهي مرتبطة، على نحو ما، بأشياء بعينها ارتباطًا ملموسًا. ويرى زيمل أن هناك حركة تدريجية في التاريخ تتجه نحو قدرة متزايدة على التفكير في القيمة بصورة أكثر تجريدًا، وهذه الحركة تقود في اتجاه المال.
لكنها لا تقود إلى المال فحسب، بل تغيّر المال نفسه أيضًا.
ففي المجتمعات القديمة، إذا كان شيء ما يساوي مبلغًا كبيرًا، كان لا بد أن تتمثل تلك القيمة في شيء مادي كبير أو كثير يحملها. ثم ظهرت بعد ذلك «النقود الاعتبارية fiat currency». وهكذا شهد المال تحولات كثيرة توازي هذا التنامي في قدرتنا على تجريد القيمة.
ما كان زيمل سيقوله هو أن التحول الجوهري يتمثل في صعود التجريد. فنحن نعيش حياتنا اليوم على نحو شديد التجريد.
وإذا أردت أن تقول إننا نعيش داخل سوق، فلا بأس بذلك بوصفه استعارة لفكرة أننا أصبحنا نحسب القيم بصورة مجردة، على نحو يسمح بمقارنة كل شيء بكل شيء آخر. ونحن نميل إلى استخدام المال والأسواق استعارةً لهذا النوع من النشاط، مع أن عملية التجريد نفسها غيّرت، خلال المئة سنة الماضية، حتى معنى المال والسوق وطبيعتهما.
أما الخيط الأعمق الذي يجمع كل ذلك فهو أننا أصبحنا نعيش بطريقة شديدة التجريد؛ فنحن ندير ذواتنا وتجاربنا من أعلى، وفق تصورات وقواعد عامة، بدل أن نتركها تتشكل من داخل المواقف التي نعيشها.
ديريك تومبسون: دعينا نتعمق أكثر في فكرة أننا أصبحنا ندير أنفسنا من أعلى. أنت ترين أن «السياق الموحَّد» يفسر أيضًا علاقتنا بالانتباه والتشتت. كيف؟
أغنيس كالارد: الأصل عند الإنسان أن يُدار الانتباه من أسفل إلى أعلى؛ أي إنك تنتبه إلى ما يبرز في محيطك ويطالبك بالانتباه. وحتى قابليتك للتشتت عما تفعله مهمة لكائن قد يجد نفسه في أي لحظة أمام حيوان مفترس أو حريق. فالوضع الطبيعي هو أن يتجه انتباهك إلى ما يفرض نفسه عليك.
أما «السياق الموحَّد» فقد جاء بطريقة جديدة لإدارة الانتباه من أعلى إلى أسفل، فأصبحنا نشعر باستمرار أن علينا أن نقرر كيف نوزع انتباهنا وكيف نضبطه. ونشعر طوال الوقت بأننا نسمح لأنفسنا بالتشتت؛ أي إننا، بعبارة أخرى، نفشل في إحكام السيطرة على انتباهنا بما يكفي.
بل صرنا نشتري أدوات تساعدنا على مقاومة الأشياء نفسها التي اشتريناها، مثل هواتفنا. كأننا في حرب مع أنفسنا. وهذه الحرب هي محاولة لإخضاع جانب من تكويننا النفسي لإدارة صارمة من أعلى، مع أن هذا الجانب تطور أصلًا ليكون أكثر تلقائيةً واستجابةً لما يجري في البيئة المحيطة.
ولنأخذ مثالًا على ذلك. في كثير من روايات القرن التاسع عشر نجد شخصًا يقرأ رواية، مثل إيما بوفاري أو آنا كارنينا. وغالبًا ما تكون القارئة امرأة تعيش اضطرابًا عاطفيًا بسبب مشكلات مع حبيبها، فتتشتت عن الكتاب وتضعه جانبًا. لكن ما لا نراه أبدًا هو أن تقول لنفسها: «لا، يجب أن أُكمل عشرين صفحة أخرى». هذا النوع من إدارة الانتباه -أن تقول لنفسك: «أنا أقرأ هذا الكتاب، ويجب أن أركز فيه!»- لم يكن ببساطة من الأمور التي يفعلها الناس في القرن التاسع عشر. وهذا يبيّن لك إلى أي حد أصبح إنسان اليوم كائنًا مختلفًا.
تومبسون: إذن «السياق الموحَّد» يضعنا في غرفة كونية واحدة، فنصبح واعين بعدد أكبر من الأفكار والناس والأشياء التي كان يمكن أن نوجّه إليها انتباهنا، لكننا لا نفعل. وردًّا على ذلك، نبدأ في التفكير في الانتباه بوصفه موردًا ينبغي إدارته. ونقول لأنفسنا: «يجب أن أركز فقط على الأشياء الأهم والأفضل». وهكذا نصبح مهووسين بالتشتت وخائفين منه على نحو ربما لم تعرفه الأزمنة السابقة.
كالارد: نعم، وهذا من علامات إدارة الانتباه من أعلى إلى أسفل. فالسؤال: «إلى ماذا ينبغي أن أنتبه؟» لم يعد مرتبطًا بشيء محدد في بيئتي المباشرة.
لم أعد أستطيع أن أستدل من محيطي على ما ينبغي أن أوجّه إليه انتباهي، لأن في كل مكان تقريبًا اليوم شاشة. الشاشة موجودة أينما كنت. وهي تتيح لي أن أختار، وتضعني أمام مجال هائل من الأشياء التي يمكن أن تستحق انتباهي: من بينها، مثلًا، معاناة أناس يعيشون في أماكن بعيدة، إن اخترت أن ألتفت إليها.
وهكذا أصبحت أقف دائمًا أمام انتباهي بوصفه موضوعًا للاختيار: عليّ أن أقرر في كل لحظة إلى ماذا أوجّهه.
وكان هذا قد بدأ بالفعل مع الراديو والصحف. فقد كتب الأديب النمساوي روبرت موزيل، الذي يمكن اعتباره واحدًا من المبكرين في التنبه إلى عالم «السياق الموحَّد»:
«إن احتمال أن تعرف من الصحيفة شيئًا غير مألوف أكبر بكثير من احتمال أن تعيشه بنفسك؛ وبعبارة أخرى، فإن الأشياء الأهم في هذه الأزمنة تحدث في عالم التجريد، بينما ما يحدث في الحياة الواقعية هو الأشياء غير المهمة».
وهو بذلك يقول إننا، على نحو ما، قد انفصلنا عن سياقنا المحلي المباشر، حتى كاد يفقد أهميته بالنسبة إلينا. لقد أصبحنا نعيش في فضاء مجرد، يفرض علينا أن ندير انتباهنا بأنفسنا.
ديريك تومبسون: هل «السياق الموحَّد» جيد أم سيئ؟
أغنيس كالارد: لا أعرف. لقد نصحتك بقراءة مقال زيمل لسبب محدد، وهو الطريقة التي ينهي بها المقال. يقول زيمل إن العقلية التي تنتجها الحياة في المدينة الكبرى تمثل نمطًا من الحياة مختلفًا عن كل ما عرفه البشر من قبل، لكننا لا نستطيع أن نحكم عليه؛ لأننا نحن أنفسنا من نتاجه. إنه نحن.
وفكرة أننا نستطيع أن نفصل أنفسنا عنه، ثم نقف خارجه ونقول إنه جيد أو سيئ، تنطوي على شيء من الوهم. وهذه إحدى الطرق التي يمكن أن نفكر بها في المسألة: ليس من الواضح أصلًا أننا في موقع يسمح لنا بالحكم عليها.
أما أنا، فلا أشعر أنني مستعدة بعد لإصدار حكم. فـ«السياق الموحَّد»، كما أفهمه، هو إجابة عن سؤال: أين نحن؟
منذ عدة سنوات وأنا أنظر حولي وأرى كل شيء يزداد غرابة، وأسأل نفسي: أين أنا حتى تحدث كل هذه الأمور من حولي؟ و«السياق الموحَّد» طريقة للإجابة عن هذا السؤال. فإذا كان هذا هو المكان الذي أنا فيه، فمن المنطقي أن تحدث هذه الأشياء.
كنت أظن أنني في شيكاغو، جالسة إلى مكتبي في الجامعة. لكن الحقيقة أنني كنت طوال الوقت داخل «السياق الموحَّد».
وأول ما نحتاج إليه هو أن نحدد موقعنا ونفهم أين نحن، قبل أن نبدأ في إصدار الأحكام. لأن «السياق الموحَّد» نفسه مكان شديد الميل إلى الحكم. فيه نزعة أخلاقية عامة تريد أن تطبق أحكامها على كل موقف. والانجراف مع هذه النزعة يبعدك عن محاولة فهم المكان الذي أنت فيه أصلًا.
ديريك تومبسون: أريد أن أعرف ماذا ينبغي لنا أن نفعل إزاء هذا كله. قد تكون هناك إجابة بسيطة: عندما تتناول العشاء مع أسرتك، يمكنك أن تكون حاضرًا معهم فعلًا، أو أن تنشغل بهاتفك، وهو أشبه بغرفة كونية تضعك في كل مكان في الوقت نفسه. إذن ضع الهاتف جانبًا. لكن هذه تبدو لي إجابة سهلة ومتوقعة. هل لديك توجيه عملي يتجاوز مجرد القول: «ضع الهاتف جانبًا أثناء عشاء الأسرة»؟
أغنيس كالارد: السؤال عمّا إذا كان «السياق الموحَّد» جيدًا أم سيئًا سؤال محمّل مسبقًا، لأن «السياق الموحَّد» نفسه يجد صعوبة في رؤية الأشياء الجيدة، بينما هو أقدر على رؤية الأشياء السيئة. وتقريبًا كل من يسمعني أتحدث عنه يبادر إلى القول إنه شيء سيئ. ولم يحدث أن قال لي أحد: «يبدو السياق الموحَّد رائعًا!»
لكن المفارقة أن هذا الشيء الذي نعدّه سيئًا هو شيء نصنعه نحن بأنفسنا. فنحن نختاره مرة بعد مرة. وحتى حديثي معك الآن، من مكان بعيد، عن فكرة مجردة، هو نفسه جزء من «السياق الموحَّد».
«السياق الموحَّد» فضاء تقل فيه القيود والقواعد. وهو أيضًا فضاء تظهر فيه نزعة إنسانية بعينها: نفورنا العميق من «انغلاق العالم».
فعلى امتداد معظم التاريخ البشري، عشنا داخل عوالم صغيرة مغلقة، وكانت هذه العوالم تقدم نفسها لنا كما لو أنها العالم الوحيد. وكانت السياقات المختلفة تمنح الإنسان اتجاهًا واضحًا: هذا هو ما ينبغي لك أن تفعله.
أما ما نتحرك نحوه الآن فهو نوع من «انفتاح العالم» الذي نتوق إليه؛ عالم لا أتصرف فيه بطريقة معينة لمجرد أن هذه هي الطريقة التي اعتدنا عليها، أو لأن هذا هو المكان الذي وُلدت فيه.

المصدر:
https://www.derekthompson.org/p/a-philosophers-one-word-theory-to
لاحظت هذا خاصة على منصة فايسبوك وفكرت فيه طويلا .. كيف لا يشعر أحد بالغرابة أن يشارك نكتة تشي بالكثير عن مكنونات نفسه في مكان يراه أهله وأساتذه والغرباء الذي يرونه بعين الاحترام .. كيف يصير الموقع الافتراضي مجردا عن كل قاعدة ينتهجها الانسان في حياته في الحكم على ما يقوله وكيف يقوله وأمام من يقوله؟!